بقلم أ. غميص الظهيري
تُعد الجعرانة من المواقع التاريخية البارزة في مكة المكرمة، إذ ارتبط اسمها بأحداث مهمة من السيرة النبوية، مما منحها مكانة خاصة في التاريخ الإسلامي. وتقع الجعرانة على بُعد نحو 25 كيلومتراً شمال شرق مكة المكرمة، وكانت قديماً قرية معروفة على طريق القوافل، قبل أن تصبح لاحقاً أحد المواضع التي يقصدها المعتمرون للإحرام.
ويرجع سبب تسمية الجعرانة – كما تذكر بعض الروايات – إلى امرأة من قريش من بني تميم كانت تقيم في هذا الموضع، تُدعى رائطة أو ريطة بنت كعب، وكانت تُلقّب بالجعرانة. وقد عُرفت في الأخبار بأنها كانت تنقض غزلها بعد إحكامه، ويُقال إن هذا الفعل هو الذي ضُرب به المثل في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: 92]، مع الإشارة إلى أن كثيراً من المفسرين يرون أن الآية جاءت على سبيل التمثيل لا التعيين.
وتبرز الأهمية التاريخية للجعرانة من ارتباطها بأحداث السيرة النبوية؛ فقد نزل بها **محمد بن عبد الله ﷺ بعد غزوة حنين عائداً من حصار الطائف، وفي هذا الموضع قسّم غنائم حنين بين المسلمين. وبعد ذلك أحرم منها النبي ﷺ لأداء العمرة، فأصبحت الجعرانة من الأماكن التي يُحرم منها أهل مكة ومن كان داخل حدود الحرم إذا أراد العمرة.
وفي هذا الموضع بُني لاحقاً مسجد الجعرانة الذي يقصده المعتمرون للإحرام، وهو من المعالم المعروفة في المنطقة. كما توجد في الجعرانة بئر قديمة يُروى في بعض الأخبار أن النبي ﷺ غرز حربته في موضعها فنبع منها ماء عذب، فانتفع بها الناس زمناً طويلاً.
وتبقى الجعرانة شاهداً على مرحلة مهمة من التاريخ الإسلامي، إذ ارتبطت بسيرة النبي ﷺ وأحداث ما بعد غزوة حنين، مما يجعلها من المواقع التاريخية التي تعكس عمق الإرث الحضاري والديني الذي تزخر به مكة المكرمة.

