Site icon صحيفة صدى نيوز إس

السوق الشعبي في جازان… ذاكرة المدينة وروحها المتجددة

 

بقلم: أحمد علي بكري

في قلب مدينة جيزان يقف السوق الداخلي الشعبي شاهداً على تاريخ طويل من الحركة التجارية والذاكرة الاجتماعية، فهو ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل فضاء حيّ تختلط فيه أصوات الباعة بلهجات الناس وروائح البهارات والبخور، ليصنع مشهداً ثقافياً متكاملاً يعكس روح المدينة وهويتها القديمة. هذا السوق الذي عرفه أهل المنطقة منذ عقود طويلة ظلّ يمثل مركزاً نابضاً للحياة، ومرآةً تعكس تحولات المجتمع الجازاني مع حفاظه على ملامحه الأصيلة.

وعندما تقترب أيام الأعياد، يتحول السوق الشعبي في جيزان إلى لوحة إنسانية نابضة بالحياة. ففي ساحاته وممراته تظهر واحدة من أجمل الظواهر الشعبية القديمة، وهي ظاهرة بيع الحلويات في ساحة السوق قبل العيد. هذه العادة ليست طارئة أو جديدة، بل هي تقليد اجتماعي متوارث تعود جذوره إلى سنوات بعيدة، حين كان الأهالي يستعدون لاستقبال العيد بشراء الحلويات الشعبية التي توزع على الأطفال والضيوف، فتتحول الساحة إلى مهرجان صغير يعج بالألوان والروائح والوجوه المبتسمة.

تنتشر في تلك الأيام طاولات بسيطة أو بسطات متواضعة، تتكدس عليها أنواع مختلفة من الحلوى الشعبية التي يعرفها أهل المنطقة جيلاً بعد جيل. يعلو صوت الباعة وهم ينادون على بضاعتهم، بينما يتجمع الأطفال حول الطاولات بفرح واضح، يختارون ما يشتهون من الحلوى التي ارتبطت في ذاكرتهم ببهجة العيد. وفي هذا المشهد تختلط البساطة بالدفء الاجتماعي، فتبدو الساحة وكأنها مسرح صغير يعيد إحياء تفاصيل الحياة القديمة التي عاشها الآباء والأجداد.

لكن اللافت في السنوات الأخيرة ليس مجرد استمرار هذه العادة الشعبية، بل تحول نظرة الشباب السعودي إلى العمل. فالكثير من البسطات التي تُقام في السوق قبيل العيد بات يديرها شباب سعوديون بأنفسهم، يبيعون الحلوى أو الهدايا أو المستلزمات البسيطة، في مشهد يعكس تحولاً اجتماعياً مهماً في نظرة المجتمع إلى مفهوم العمل.

لقد أدرك جيل الشباب اليوم أن العمل الشريف لا يُقاس بمكانته الاجتماعية بل بقيمته الأخلاقية، وأن الكسب الحلال – مهما كان بسيطاً – يظل مصدر فخر واعتزاز. لم تعد فكرة العمل في بسطات الأسواق أو ممارسة المهن الصغيرة أمراً يُنظر إليه بانتقاص كما كان يعتقد البعض في الماضي، بل أصبحت دليلاً على روح المبادرة والاعتماد على النفس.

وهذا التحول يعكس وعياً متزايداً لدى الشباب السعودي بأن الاقتصاد الحقيقي يبدأ من احترام قيمة العمل، وأن المجتمعات المتقدمة لم تُبنَ إلا على سواعد أبنائها في مختلف المهن، من أبسطها إلى أعلاها. لذلك أصبح من الطبيعي أن ترى شاباً جامعياً يقف خلف طاولة صغيرة في السوق الشعبي يبيع الحلوى أو القهوة أو الهدايا الموسمية، ليس بدافع الحاجة فقط، بل أيضاً بدافع التجربة والطموح وروح ريادة الأعمال.

ومن اللافت أن المجتمع نفسه أصبح أكثر تقديراً لهذه الروح الجديدة. فالمتسوقون لا ينظرون إلى هؤلاء الشباب نظرة استغراب، بل غالباً ما يقابلونهم بالتشجيع والدعم، لأنهم يدركون أن هذا المشهد يعكس تحولاً إيجابياً في الثقافة الاجتماعية، ويعزز قيم الاعتماد على النفس والعمل الحر.

وهكذا يظل السوق الشعبي في جيزان أكثر من مجرد سوق تقليدي؛ إنه حكاية مدينة تتجدد مع الزمن. ففي ممراته تعيش الذاكرة الشعبية، وفي ساحاته تُبعث العادات القديمة من جديد، بينما يضيف الجيل الجديد إليها روحاً مختلفة تعكس طموح المستقبل.

فبين بسطات الحلوى قبل العيد، وضحكات الأطفال، وحماس الشباب الذين يعملون بأيديهم، يتشكل مشهد جميل يجمع بين الماضي والحاضر. مشهد يؤكد أن العمل الشريف، مهما كان بسيطاً، يبقى عنوان كرامة الإنسان ودليل حيويّة المجتمع.

Exit mobile version