Site icon صحيفة صدى نيوز إس

سعد بن زومة التاجر الإنسان

 

الكاتب : د. محمد بن سلمان الغامدي _ جده

صحيفة : صدى نيوز S

 

في رحيل سعد بن زومة….حينًا تبكي الأرضُ لمن فقدت

وذلك حزنا لمن مشى عليها…..وفرحا حينًا آخر لمن ضمته بين جانبيها

فلم يكن الشيخ سعد بن زومة رحمه الله رجلاً يمشي على الأرض كما يمشي الناس

بل كان أرضاً يمشي عليها الناس

تُقيم أقدامَهم حين تتعثَّر

وتُدفئ خُطاهم حين يُقرِّسها البرد

ذلك النوع من الرجال الذين إذا رحلوا أحسستَ أن الفضاء اتَّسع وأن الهواء خَفَّ

لا لأن الدنيا فرِحت برحيلهم

بل لأن ثِقَلَ العطاء الذي كانوا يحملونه لا يَقدر على حمله بعدهم أحد

ذلكم هو سعد بن زومة الجذر الذي أنبتته بلاد غامد

يُخطئ من ظنّ أن الرجالَ الكبار يصنعهم الذهب وحده

أو تُفرزهم المدن الكبرى في معامل الجاه والسلطان.

 

🌿 سعد بن زومة خرج من تربة الباحة من أحضان غامد الشمَّاء حيث الجبال لا تتعلَّم الانحناء وحيث الإنسان يولد وفي عروقه دم الكرم مخلوطاً بدم الكبرياء

 

من تلك البيئة التي تُحوِّل الحجرَ الأصمَّ إلى قلب نابض وتُعلِّم الشجرةَ أن تُثمر قبل أن تنتهي من النمو

من هناك نشأ هذا الرجل العظيم فأخذ

من الجبل صلابتَه

ومن الوادي سخاءَه

ومن السماء الصافية نَقاءَه

 

سعد بن زومة

كان نشأةً

لا تُشرح بالكلام

بل تُقرأ في وجوه من أحبُّوه

تلك الوجوه

التي تُضيء حين يُذكر اسمه

كأن أحداً أشعل فيها شمعة كانت تنتظر.

 

✒️ يظنُّ كثيرون أن المال نِعمة

والحقُّ أنه اختبار

فمنهم من جعله سِجناً

يحبس فيه نفسه

ويحبس فيه الآخرين

ومنهم من جعله

جسراً يعبر عليه الناس

من ضيق الحاجة

إلى سعة العيش.

أما بن زومة رحمه الله فقد أدرك مبكِّراً

أن المال الذي لا يتحوَّل إلى خير

يبقى في يد صاحبه بارداً كالحجر

وأن الروح

حين تبذل تضيء

وحين تمنع تنطفئ

 

فكان رحمه الله يُغرق في السخاء إغراقاً لا يُشبه الجود الاعتيادي

 

🌿 سعد بن زومة كان يتصدَّق بطريقته

يمنح قبل أن تُطلب منه

ويُعطي قبل أن تمتدَّ إليه الأيدي

 

كأنه يرى ما لا يراه غيره من خلف الوجوه من احتياج.

 

فقد….

دعم الجمعيات الخيرية

حتى صار اسمه علَماً عليها

وأعان الفقراء والمحتاجين

حتى جعل من العوز كلمةً لا تجرؤ أن تُسمَّى في حضرته

 

وموَّل الطلاب

وفتح لهم أبواب العلم

حين كادت تنغلق

ونشر في مسيرته….

آلافَ الأيادي البيضاء التي تمسك اليوم بمفاتيح المستقبل.

 

🖊️ لقد كانت أعماله تلك بعيدة عن الأضواء

فهو

لا يُحبُّ المنابر

ولا يستريح إلى المديح

كأنه يعلم أن الله يرى ما لا يرى الناس

فاكتفى بذلك الرائي الأوَّل.

 

🖊️ثمة رجال يُحيطون أنفسهم بالأبواب الموصَدة والحجَّاب والمسافات وثمة رجال يجعلون من أنفسهم ساحةً مفتوحة يأوي إليها المظلوم ويستريح فيها المتعَب.

وكان بن زومةمن هؤلاء النفر الكرام الذين

لا تُوقفهم الأعذار

ولا تردُّهم الحُجج عن الإحسان.

 

💐 يذكر من عرفوه أن الهاتف في يده كان طريقاً مفتوحاً لكل محتاج

وأن كلمته رحمه الله كانت تساوي في أحيان كثيرة ما لا تساويه آلاف الكلمات من غيره

لأنها كلمة رجل له

في القلوب مكانة

وفي الأسماع هيبة

وفي الأرواح محبة.

 

وقيمة الشهامة لدى بن زومة لم تكن مجرَّد ردِّ فعل لحظيٍّ تجاه الحاجة

بل كانت

منهج حياة

مكتوبة في تفاصيله اليومية

وفي طريقة نظره إلى الناس

نظرة من يرى….

فيهم أمانة

وليس عبئاً

 

✒️ لعلَّ أصعب ما يُبنيه الرجل في حياته

ليس القصور

ولا المشاريع

 

بل البيت الذي يجلس أبناؤه فيه بعد رحيله ويحملون اسمه بفخر لا بثِقَل

 

أن تُربِّيَ أولاداً يرون فيك

مثلاً لا سِجَلاً

يستلهمون من سيرتك

لا يستحيون منها

تلك هي المعجزة الحقيقية التي لا تُسجِّلها إلا الأيام

 

ورَّث سعد بن زومة لأبنائه وأهله أكثرَ من المال والمكانة

ورَّثهم قِيَماً تمشي في الشوارع وتجلس في المجالس

وتُعامِل الناس بطريقة

تنبيئ عن أصلها الثابت

ليكون فرعها في السماء

لتُبيِّن معدنها

 

ذلك الميراث الذي

لا يُقسَّم

ولا يُورَث

ولا يُباع

هو أثمن ما تركه هذا الرجل للذين أحبَّهم.

 

🖋️ وفي عالم يتحدَّث كثيراً عن التنمية والاستثمار ورأس المال البشري

كان بن زومة يُطبِّق بفطرته وسجيَّته ما يعجز كثير من رجال الأعمال عن تطبيقه بتخطيطهم وإدارتهم

كان يعلم أن الأموال التي تُنفق في فتح مشروع لشاب محتاج تعود بعشرة أمثالها على المجتمع

وأن العقل الذي تُموِّل تعليمه يبني غداً ما لا تبنيه الآلات.

 

فلم يكن يتبرَّع عوضاً عن التنمية

بل كان تبرُّعه في حدِّ ذاته تنمية

 

بين منطقة الباحة ومنطقة مكة المكرمة ترك بصماتٍ في عالم التجارة والاستثمار شهد لها الشاهد والغائب

وصارت بعضها منارات تستضيء بها أجيال لم تعرف صاحبها.

 

🌹 *وقفة*

حين ترحل الأشجار العظيمة لا يرحل ظلُّها في الحال

بل يبقى في الذاكرة

ويبقى في الوجوه التي استظلَّت به

ويبقى في الأرض التي شرِبت من مائه.

 

رحل سعد بن زومة رحمه الله رحمةً واسعة لكنه ترك في هذه الديار أثراً لن تمحوه الأيام ولن تطوَيَه الأعوام

لأن الذين أحسن إليهم سيُحسنون إلى غيرهم

والذين رأوه سيُحدِّثون عنه أبناءهم

والذين ذاقوا كرمه سيحملون في أرواحهم جمرةً من جمرات ذلك الكرم تُدفِّئ بها الآخرين.

 

وكأن هذا الرجل وهو يُنفق ويُعطي ويُؤسِّس كان يعلم أن الحياة الحقيقية ليست ما يعيشه المرء في دنياه

بل ما يتركه بعد رحيله في قلوب الناس

 

رحم الله سعد بن زومة وأسكنه فسيح جنَّاته

وجمعنا به في دار الكرامة

ذلك الظلُّ الوارف الذي لا تُنسيه الشمس.

 

د. محمد بن سلمان الغامدي

الثلاثاء ٢٨ رمضان ١٤٤٧هـ

Exit mobile version