للكاتب: عبدالله القحطاني @abdullahqa7tani
رئيس نادي ملتقى المبدعين الثقافي
في عالمٍ تتسارع فيه المعلومات، وتتعدد فيه زوايا النظر، يبرز نمطٌ فكريٌّ خطير يتسلل إلى بعض العقول دون أن يُلحظ: وهمُ امتلاك الحقيقة المطلقة. حين يعتقد الإنسان أن ما في رأسه هو الواقع ذاته، لا مجرد تفسيرٍ له، فإنه يُغلق على نفسه أبواب الفهم، ويصادر حق الآخرين في الرؤية المختلفة.
هذه الحالة لا تتعلق بقلة المعرفة بقدر ما ترتبط بجمود الفكر. فالجهل هنا لا يعني غياب المعلومات، بل يتحول إلى يقينٍ زائف، يكسو صاحبه ثوب الثقة المطلقة، فيرفض المراجعة، ويستبعد الشك، ويتعامل مع آرائه وكأنها حقائق نهائية لا تقبل النقاش. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الجاهل المتردد قد يتعلم، أما الجاهل الواثق فلا يرى حاجةً لذلك.
إن الاعتقاد بامتلاك الحقيقة الكاملة يلغي بطبيعته فكرة الحوار، ويحوّل النقاش إلى صراع، حيث لا يسعى الفرد إلى الفهم، بل إلى الانتصار. ومع مرور الوقت، تتسع الفجوة بينه وبين الواقع، لأنه لم يعد يرى إلا ما يؤكد قناعاته، ويتجاهل كل ما يخالفها.
الحقيقة، بطبيعتها، متعددة الأبعاد، ولا يمكن الإحاطة بها من زاوية واحدة. وكل إنسان يحمل جزءاً منها، لا كلها. ومن هنا، فإن النضج الفكري لا يتمثل في التمسك الأعمى بالرأي، بل في القدرة على مراجعته، والانفتاح على احتمالات الخطأ قبل ادعاء الصواب.
ختاماً، لعل أخطر ما يواجه الإنسان ليس أن يجهل، بل أن يجهل ويظن أنه يعلم. فبين الجهل البسيط والجهل المركب، مسافةٌ تصنع الفارق بين عقلٍ قابلٍ للنمو، وآخر يكتفي بوهم الكمال.

