“الأحماض الهيومية… سرّ خصوبة التربة السودانية”
مكة المكرمة
بقلم الدكتور/ مازن إسماعيل محمد :
في مشهد الزراعة السودانية التي تواجه تحديات التربة الفقيرة والاعتماد الكبير على الأسمدة الكيميائية، جاءت دراسة حديثة لتسلط الضوء على دور مادة طبيعية طالما ارتبطت بالخصوبة وهي الأحماض الهيومية (Humic Acid). الباحثون د. سهل يسن وزملاؤه أجروا تجربة ميدانية في محطة شمبات التابعة لهيئة البحوث الزراعية بالخرطوم، حيث اختبروا تأثير جرعات مختلفة من هذه المادة على نوعين من التربة السودانية: التربة الطينية الثقيلة (Clay soil) و الطينية الرملية (Sandy Clay Loam – SCL)، وذلك خلال موسمي الشتاء 2017/2018 و2018/2019 باستخدام القمح (Triticum aestivum L.) كمحصول دالّ على التغيرات.
النتائج كانت لافتة؛ فقد أدى إدخال Humic Acid إلى خفض درجة الحموضة (pH) في التربة بشكل ملحوظ، وهو ما يفتح المجال أمام العناصر الغذائية لتصبح أكثر قابلية للامتصاص. كما ارتفعت مستويات النيتروجين (Nitrogen – N) و الفوسفور (Phosphorus – P) و البوتاسيوم (Potassium – K)، خاصة في التربة الطينية التي أظهرت قدرة أكبر على الاحتفاظ بالعناصر مقارنة بالتربة الطينية الرملية. الجانب الأكثر إثارة كان في النشاط الميكروبي؛ إذ تضاعفت أعداد البكتيريا (Bacteria) و الفطريات (Fungi) و الأكتينومايسيتات (Actinomycetes) مع زيادة الجرعة، خصوصاً في الموسم الثاني، مما يعكس تنشيطاً للحياة الحيوية في التربة.
التحليل الإحصائي عبر تحليل المكونات الرئيسية (Principal Component Analysis – PCA) أوضح أن الجرعة المضافة من Humic Acid ارتبطت إيجابياً بزيادة N و P ووفرة Fungi، بينما ارتبطت سلبياً بدرجة pH، وهو ما يفسر أكثر من 83% من التباين الكلي في النتائج. هذه المعطيات تؤكد أن Humic Acid ليست مجرد مادة عضوية، بل أداة استراتيجية لتحسين خصوبة التربة السودانية وتقليل الاعتماد على الأسمدة الصناعية (Synthetic Fertilizers) المكلفة والملوثة.
إن هذه الدراسة تفتح الباب أمام المزارعين والباحثين لتبني حلول طبيعية مستدامة تعزز الإنتاجية الزراعية وتدعم الأمن الغذائي في السودان. فـ Humic Acid بما تحمله من قدرة على تنشيط العناصر الغذائية والكائنات الدقيقة، تمثل جسراً بين العلم والممارسة الزراعية، وتعيد للتربة حيويتها المفقودة. وفي زمن تتزايد فيه الدعوات إلى الزراعة المستدامة (Sustainable Agriculture)، يبرز هذا البحث كدليل عملي على أن الحلول قد تكون كامنة في الطبيعة نفسها، تنتظر فقط من يكتشفها ويطبقها بحكمة.

