Site icon صحيفة صدى نيوز إس

أزمة التخطيط المدرسي.. بين فلسفة “سوات” وفوضى التطبيق

 

بقلم الدكتورة/

نسرين الطويرقي: مكة المكرمة:-

هناك فجوة واضحة في الميدان التربوي اليوم، تتسع بين واقع المدارس وخطط التحسين التي يُفترض أن تنهض بها. وهذه الفجوة ليست في الموارد ولا في الرغبة، بل في فهم جوهر التخطيط نفسه.

أولاً: “سوات” المظلوم.. أداة تُستخدم بلا دليل

أصل المشكلة يبدأ من تعدد زوايا النظر لمصطلح “تحليل SWOT”. كل مشرف، كل مدير، كل لجنة تنظر إليه من زاويتها الخاصة.

-طرف يراه جدولاً شكلياً يُعبأ للتقرير.

-طرف يراه مجرد نقاط قوة وضعف.

-طرف ثالث يحوله إلى ساحة جلد للذات المدرسية.

والحقيقة الغائبة أن التخطيط فلسفة مرنة وليس نصاً مقدساً. “سوات” وأخواته من الأدوات وُجدت لتخدمنا في الوصول للهدف، لا لنخدمها نحن ونقدس شكلها. حين نتحول من “لماذا نخطط؟” إلى “كيف نملأ النموذج؟” فنحن نكون قد أضعنا البوصلة.

ثانياً: تشخيص الأعراض.. لماذا تفشل خطط التحسين؟

من تجربة ميدانية مباشرة، تبرز أربعة تحديات رئيسية تُفشل أي خطة قبل أن تبدأ:

1.أمية صياغة الهدف: الخلط بين الهدف والنشاط والوسيلة. نكتب “عقد ورشة” على أنه هدف، بينما الهدف هو “رفع مهارة المعلمات في…” بنسبة 20%. ضعف الصياغة =ضعف التنفيذ بالضرورة.

2. فوضى النماذج: كل إدارة ترسل نموذجاً، وكل مشرف يطلب تعديلاً. يتحول جهد المدرسة من التفكير في التحسين إلى التفكير في “إرضاء النموذج”. تنوع النماذج بلا دليل موحد يربك الميدان ويستنزفه.

3. غياب الحوكمة من يحاسب من؟ وعلى ماذا؟ حين تغيب آلية واضحة للمساءلة على “إنجاز الأولويات”، تتحول الخطة التشغيلية إلى حبر على ورق. الكل يكتب، ولا أحد يتابع الأثر بمنهجية.

4. بناء على فراغ: لا يمكن بناء “خطة تحسين” متقنة فوق “خطة تشغيلية” هشة. الأصل أن تُبنى الخطة التشغيلية بإتقان أولاً، وتحدد فيها المجالات ذات الأولوية، ثم تأتي خطة التحسين لتعالج فجوة محددة. ما يحدث عكس ذلك تماماً.

ثالثاً: التغذية الراجعة.. حين يصبح النقد جزءاً من المشكلة

الميدان اليوم لا يعاني من قلة التغذية الراجعة، بل من

تخمتها وعشوائيتها. تتلقى المدرسة ملاحظات متكررة على خطة التحسين، لكنها ملاحظات متأرجحة بين آراء شخصية متباينة.

مدير يقول “قصروا الهدف”، ومشرف يقول “وسعوا الهدف”.

خبير يقول “ركزوا على سوات”، وآخر يقول “سوات قديمة”.

النتيجة: لا هؤلاء أصابوا ولا أولئك. والضحية هي المدرسة التي تدور في حلقة مفرغة من التعديلات، وثقتها في التخطيط تتآكل.

الخلاصة: أعيدوا التخطيط لأهله

هذه الملاحظات لا تُعمم على الجميع، ففي الميدان كفاءات تُدرس. لكنها تكشف إشكالية جوهرية تستدعي شجاعة في إعادة النظر.

القاعدة الذهبية: من لا يفهم التخطيط علماً ومنهجية، لا ينبغي أن يتصدر لبنائه أو تقييمه أو تحكيمه.

التخطيط ليس رأياً شخصياً، ولا اجتهاداً بلا أساس، ولا سلطة تُمنح بالمنصب. هو علم له أصول، ومهارة لها أدوات، وفلسفة لها غاية.

الحل يبدأ من ثلاثة مسارات:

1.توحيد المرجعية: دليل إجرائي واحد للتحليل والتخطيط، بلغة بسيطة، تُلزم الجميع.

2.تأهيل المُخطِط والمُحكِم: لا يسمح لأحد بمراجعة خطة ما لم يكن هو نفسه يتقن بناءها.

3.المحاسبة على الأثر لا الورق: ننتقل من سؤال “هل اكتملت الخانة؟” إلى سؤال “ما الذي تغير في المدرسة؟”.

فالتخطيط وُجد ليخدمنا، فلا نجعله سيداً يرهقنا.

Exit mobile version