بقلم: كمال فليج – الجزائر
في زمنٍ تتداخل فيه الحدود الثقافية وتُعاد فيه كتابة التاريخ وفق ميزان المصالح، لم يعد الحديث عن القفطان مجرد استحضار لقطعة لباس تقليدية، بل أصبح مواجهة مفتوحة مع محاولات طمس الهوية وإعادة نسبها. هنا، لا مجال للحياد، ولا مساحة للرماديات: القفطان جزائري… أصيل، متجذر، ولا يقبل القسمة أو التأويل.
ليس القفطان في الجزائر تفصيلاً عابرًا في سجل الأزياء، بل هو امتداد لذاكرة حضارية تشكلت في عمق المدن التاريخية، وعلى رأسها تلمسان، التي كانت ولا تزال منارات للذوق الرفيع والفن الراقي. هناك، لم يكن القفطان مجرد لباس، بل لغة اجتماعية، ومؤشر مكانة، وعلامة انتماء. خيوطه لم تُنسج فقط من حرير ومخمل، بل من تاريخٍ حيٍّ صمد أمام التحولات، ورفض أن يُختزل في روايات دخيلة.
إن إدراج عناصر من اللباس التقليدي الجزائري ضمن قوائم التراث غير المادي لدى اليونيسكو لم يكن منّة، بل اعترافًا متأخرًا بحقيقة راسخة. غير أن هذا الاعتراف، رغم أهميته، يبقى خطوة في مسار طويل، لأن المعركة اليوم لم تعد فقط معركة تسجيل، بل معركة تثبيت المعنى، وحماية الأصل من محاولات التمييع.
القول إن القفطان “تراث مشترك” هو تبسيط مخلّ، بل أحيانًا غطاء ناعم لطمس الخصوصيات. فالتاريخ لا يُقرأ بالنوايا، بل بالوقائع. والواقع أن القفطان في الجزائر له خصوصيته، له بصمته، له سياقه الثقافي الذي لا يُشبه غيره. نعم، قد تتشابه الأسماء، وقد تتقاطع بعض الملامح، لكن الجوهر يبقى مختلفًا، والروح لا تُستنسخ.
إن الدفاع عن القفطان الجزائري ليس تعصبًا، بل وعي. وليس إقصاءً للآخر، بل حماية للذات. فالشعوب التي لا تدافع عن تراثها، تتركه عرضة لإعادة التشكيل وفق روايات لا تعكس حقيقتها. والهوية، حين لا تُصان، تُستعار… ثم تُنسى.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج الجزائر إلى خطاب ثقافي واضح، لا يهادن في ما يخص موروثها. تحتاج إلى توثيق دقيق، وإلى حضور قوي في المحافل الدولية، وإلى ربط الأجيال الجديدة بهذا الإرث، لا كقطعة من الماضي، بل كجزء من الحاضر والمستقبل.
القفطان الجزائري ليس موضوع نقاش… بل حقيقة.
حقيقة تُلبس، وتُحاك، وتُورَّث. وحين يتعلق الأمر بالهوية، لا مكان لأنصاف المواقف.
قد يحاول البعض إعادة رسم الخريطة الثقافية، لكن ما كُتب بالخيط والإبرة، عبر قرون، لا يمكن محوه بخطاب عابر.
هنا، في الجزائر، القفطان ليس مجرد لباس… إنه ذاكرة وطن.

