أسميتُكِ وطناً.. وعمّرتُ في أراضيكِ مدائن من الوفاء، وفرشتُ دروبكِ بالصبر، وسقيتُ نخل مروءتي بدمع العيون.. كنتِ القبلة التي أيمّمُ وجهي شطرها في هجير الأيام، والملجأ الذي ألوذُ به من صقيع الخيبة.
جئتُكِ أحمل قلبي كحمامةٍ بيضاء، أطوي المسافات، وأطوع المستحيل، ظنّاً مني أن الوفاء دينٌ يُقضى، وأن الحبَّ حصنٌ لا تهدّمه العواصف. لكنني، وفي لحظة صدقٍ مع النفس، ألقيتُ بحجرٍ صغير في بركتكِ الراكدة.. تعمدتُ “الخطأ” لا غدراً، بل رغبةً في رؤية وجهكِ الحقيقي حين يغيب الرضا.
يا للهول!
سقط القناع عن القناع، فإذا بالوطن الذي سكنتُه ليس سوى “منفى”، وإذا بالإحساس الذي ظننتُه بحراً ليس إلا صحراء قاحلة من التبلد. كيف لمحوِ سنين من البذل، وتاريخٍ من التضحيات، أن يذروه الريحُ في لحظة عتب؟ وكيف لقلبٍ ادّعى السكنى أن يغدو غريباً بجفاءٍ لم تألفه حتى القلوب القاسية؟
اليوم.. ألملمُ ما تبقى من شتات روحي، وأعلنُ الرحيل. لستُ نادماً على كرمي، فالكريمُ يعطي من فيضِ أصله، والوفاءُ سمةُ النبلاء لا تُسحبُ من صاحبها وإن جُحدت. لكنني راحلٌ لأن الكرامةَ وطنٌ أكبر، ولأن قلباً لا يغفر الهفوة بعد سيلٍ من المكرمات، هو قلبٌ لا يستحقُّ أن يُخطبَ ودّه، أو يُبكى على أطلاله.
غادرتُ مدائنكِ الموصدة.. ومعي يقيني بأن من يبيع الوفاءَ برخصِ الملامة، لن يجد في دروب العمر وفياً يمنحهُ شطر ما منحت.
بقلم / محمد باجعفر

