Site icon صحيفة صدى نيوز إس

إمارة نجران.. هندسة تنمية المكان واستراتيجية بناء الإنسان تحت ظلال الرؤية”

 

صحيفة صدى نيوزs
اللواء متقاعد محمد فريح الحارثي

حين نتأمل خارطة التنمية في منطقة نجران، نجد أننا أمام مشهد يتجاوز بناء المكان؛ فنحن أمام عملية بناء إنسان واستعادة حضارة. فبفضل توجيهات خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين يحفظهم الله استطاعت نجران أن تتحول من حارسة للتاريخ العريق إلى ورشة عمل كبرى للمستقبل، يقودها بحنكة صاحب السمو الأمير جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد، ويسانده بهمة الشباب ورؤيتهم صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن هذلول بن عبدالعزيز.

فلسفة الإدارة: بحكمة التنفيذ
لم يكن الطريق نحو هذا التحول أمراً سهلاً؛ فالتضاريس الجغرافية واتساع الرقعة الإدارية وضعا تحديات جسيمة أمام أي خطط تطويرية. وهنا ظهرت فطنة الإدارة في إمارة المنطقة، التي نجحت في تحويل ملف المشاريع المتعثرة إلى قصة نجاح وطنية. هذا الانضباط الإداري جاء متوائماً مع مستهدفات هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية، حيث سجلت نجران حضوراً لافتاً في تقارير الأداء الدوري؛ وهو ما انعكس على أرض الواقع بمشاريع طرق تجاوزت أطوالها ألفين وخمسمئة كيلومتر لربط المحافظات، وقفزة في القطاع الصحي بسعة سريرية تخطت ألفاً وثمانمئة سرير، ونمو مطرد في الخدمات البلدية والتعليمية التي تحتضن اليوم أكثر من خمسة وعشرين ألف طالب وطالبة في جامعة نجران، لتؤكد المنطقة تفوقها في مؤشرات أداء الوطنية.

الأصالة كوقود للتحديث

إن الحكمة التنموية في نجران آمنت بأن الأصالة هي المحرك الحقيقي للتحديث؛ لذا كان تسجيل منطقة حمى الثقافية في قائمة التراث العالمي اليونسكو منجزاً استراتيجياً ربط إرث المنطقة باقتصاد المستقبل. وبالتوازي مع ذلك، استثمرت الإمارة في جغرافيتها المتفردة؛ فتحول الربع الخالي إلى ساحة للرياضات الصحراوية والمغامرات العالمية، واستعادت الإبل مكانتها عبر مهرجانات وسباقات الهجن الكبرى، لاسيما في ميدان شرورة، التي تحولت بفضل رعاية سمو أمير المنطقة وسمو نائبه إلى تظاهرات اقتصادية تنعش الأسواق المحلية وتدعم الأسر المنتجة.

امتداد التنمية إلى المحافظات.

ولم تكن هذه النهضة مقتصرة على مدينة نجران وحدها، بل امتدت بوعي إداري إلى محافظاتها كافة، وفي مقدمتها شرورة التي شهدت طفرة في مشاريع الطرق والخدمات اللوجستية ومرافق الهجن والرياضات الصحراوية، مما عزز دورها كبوابة اقتصادية للمنطقة. كما نالت محافظات حبونا وبدر الجنوب ويدمة وثار وخباش نصيبها من التنمية عبر مشاريع تحسين الطرق، وتطوير المتنزهات، ورفع كفاءة الخدمات البلدية والصحية، في مشهد يعكس عدالة التوزيع وعمق التخطيط. وعلى المستوى الأوسع، برزت جازان كجزء من هذا الحراك الجنوبي المتكامل، حيث شهدت مشاريع نوعية في البنية التحتية والسياحة والزراعة الحديثة، مما جعل التنمية في الجنوب السعودي منظومة مترابطة تتكامل فيها الجهود تحت مظلة القيادة الرشيدة، وتعمل إمارات المناطق على تحويلها إلى واقع يلمسه المواطن في كل محافظة ومدينة.

انعكاسات النهضة على المؤشرات.

لقد انعكست هذه النهضة التنموية في نجران على مؤشرات اقتصادية واجتماعية ملموسة، يمكن رصدها بوضوح في السنوات الأخيرة. فارتفاع حجم الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والخدمات الأساسية أسهم في تحسين جودة الحياة، ورفع مستوى الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وتقليص الفجوات التنموية بين المحافظات. كما أدت مشاريع الطرق والربط اللوجستي إلى تعزيز حركة التجارة الداخلية، وزيادة جاذبية المنطقة للاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يظهر في نمو عدد المنشآت التجارية وتوسع الأنشطة السياحية والرياضية المرتبطة ببيئة نجران الفريدة. وعلى الصعيد الاجتماعي، أسهمت المبادرات الثقافية والتراثية في تعزيز الانتماء المحلي، وخلق فرص جديدة للشباب في مجالات الإبداع والابتكار وريادة الأعمال، مما جعل التنمية في نجران ليست مجرد مشاريع تنفذ، بل منظومة متكاملة تعيد تشكيل العلاقة بين المواطن وبيئته وفرصه المستقبلية.

مخرجات الرؤية: إشادة بالتميز البشري.

إن القيمة الحقيقية لهذه النهضة تكمن في الإنسان النجراني الذي أثبت للعالم أن الموهبة السعودية لا حدود لها. وهنا تجب الإشادة بفخر المنطقة من المبتكرين والطلاب الذين حصدوا جوائز التميز في محافل دولية كبرى مثل آيسف للعلوم والهندسة، رافعين اسم المملكة عالياً. كما نباهي بالكفاءات الطبية من أبناء وبنات المنطقة، الذين قادوا أدق العمليات الجراحية المعقدة والنادرة بنجاحات باهرة نالت إشادات دولية واسعة. ولا ننسى الفنانين والمبدعين الذين مثلوا التراث الوطني كمنتج سعودي في المحافل الثقافية العالمية، ليؤكدوا أن الاستثمار في التعليم والبيئة المحفزة التي ترعاها الإمارة قد آتى أكله إبداعاً وتميزاً يشار إليه بالبنان.

مدرسة التواضع واللحمة الوطنية.

خلف هذا المشهد الإداري الجاد، تقف مدرسة إنسانية رفيعة يجسدها سمو الأمير جلوي بن عبدالعزيز وسمو الأمير تركي بن هذلول؛ فالقارئ للمشهد يلمس تلك العفوية الصادقة في مشاركة سموهما لجميع قبائل المنطقة وأهاليها في أفراحهم وأتراحهم. هذا القرب الوجداني والتواضع الجم حوّل العلاقة بين المسؤول والمواطن إلى عقد محبة ووفاء؛ فالأبواب المفتوحة والمجالس التي لا تغلق والزيارات الودية عززت من اللحمة الوطنية، وجعلت من نجران نموذجاً في الاستقرار الاجتماعي الذي يواكب النمو الاقتصادي المتسارع.

ختاماً.
إن نجران اليوم ليست مجرد منطقة تنمو، بل هي رؤية تتحقق؛ حكاية تجمع بين عبق التاريخ المتمثل في اليونسكو، وبين طموح الشباب المبتكر والكوادر الطبية المتميزة، يدفعها إخلاص قيادة آمنت بأن رفعة الوطن تبدأ من جودة حياة المواطن. ستظل نجران، بروح سمو أميرها وعزيمة سمو نائبه، منارة للأصالة وواجهة للتحديث، وقصة نجاح سعودية تكتب بمداد من العزيمة والولاء.

Exit mobile version