Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين يتحول الراعي إلى جزء من القطيع تسقط البوصلة الإقصاء المناطقي للمدير.. عندما يكون المشرف القيادي شريكًا فيه

مكة المكرمة :

بقلم الدكتورة/ نسرين الطويرقي

من المؤلم أن يُقصى مدير كفء لأنه “من منطقة أخرى”، لكن الأكثر إيلاماً أن يجد المشرف القيادي – المفترض أنه حكمٌ عدل – يقف في صف الإقصاء لا في صف المهنية. هنا ننتقل من مشكلة “سلوك فردي” إلى أزمة “بنية مؤسسية”.

أولاً: سقوط الحياد.. سقوط المنظومة

المشرف القيادي هو ميزان العدالة في الميدان التربوي. هو من يُفترض أن يفصل في النزاعات لا أن يؤجها، وأن يقوّم الأداء لا أن يحاكم الجغرافيا. حين يتبنى هذا المشرف خطاب “نحن وهم”، ويُقيّم المدير بناءً على مكان ميلاده لا على مؤشرات إنجازه، فإنه يمنح العنصرية المناطقية ختماً رسمياً. وتتحول زيارته الإشرافية من دعم إلى تفتيش عن الهوية، وتتحول تقاريره من أداة تطوير إلى وثيقة إدانة مُسبقة.

ثانياً: أدوات التواطؤ الإشرافي

يتجلى انحياز المشرف المتحيز في أربعة مظاهر رئيسة:

ازدواجية المعايير: هفوة المدير “الغريب” تُضخّم وتُرفع، وهفوة “ابن المنطقة” تُعالج بصمت ودي.

التجفيف الممنهج للصلاحيات: تُسحب الأدوات التنفيذية من المدير تدريجياً تحت ذرائع إدارية، والهدف الحقيقي هو تهيئة بيئة الفشل.

شرعنة التمرد: يتحول المشرف إلى مظلة تحمي المنسوبين الرافضين، فيمنحهم ضوءاً أخضر للمقاومة بدل إلزامهم بالمهنية.

تكييف التقارير: تُصاغ التقارير بلغة ترضي النزعة المناطقية السائدة، لا بلغة ترضي الحقيقة المهنية، فيُصبح المدير ضحية سردية رسمية مجحفة.

ثالثاً: الثمن الباهظ.. موت الكفاءة واغتيال الثقة

عندما يفقد المدير المظلة الإشرافية العادلة، تنهار فكرة “العدالة المؤسسية” بأكملها. والرسالة التي تترسخ في الميدان قاتلة: “الكفاءة وحدها لا تكفي، والانتماء الجغرافي شرط للبقاء”. وهذا ينسف مبدأ تكافؤ الفرص من جذوره، ويئد طموح كل كفاءة وطنية تفكر في خدمة منطقة أخرى. فمن ذا الذي يغامر بمستقبله المهني وهو يعلم أن السلم الإشرافي والمنسوبين سيتحدون ضده؟

رابعاً: مسؤولية القيادة العليا.. تفكيك الدوائر المغلقة

مواجهة هذا الخلل البنيوي تستدعي قرارات جريئة من صانع السياسة التربوية:

تدوير المشرفين القياديين بين المناطق لكسر ثقافة “الإقطاعيات الإشرافية” ومنع تشكل مراكز قوى مناطقية.

إنشاء مسارات تظلم مستقلة تمكّن المدير من إيصال صوته لجهة محايدة دون المرور بقناة مشرفه المتحيز.

ربط تقييم المشرف بأداء مدارسه، ومساءلته عن أسباب تعثر مدير كفء: هل كان التقصير فردياً أم أن غياب الدعم والحياد كان سبباً؟

اعتماد مؤشرات أداء رقمية صارمة تقلل من سطوة الانطباع الشخصي للمشرف، وتجعل لغة الأرقام هي الحكم.

 

خاتمة: الوطن معيار.. والمهنية ميثاق

المشرف الذي يوظف سلطته لترجيح كفة “ابن منطقته” على حساب “ابن كفاءته” قد خان الأمانة مرتين: خان الوطن الذي ائتمنه على العدل، وخان المهنة التي أقسم على نزاهتها.

إن قضية المدير “القادم من خارج السور” هي المحك الحقيقي الذي تُختبر فيه مصداقية شعاراتنا عن الوحدة الوطنية والمهنية. فإما أن تحميه الأنظمة فينتصر مبدأ الدولة المؤسساتية، وإما أن نتركه نهباً للشللية من أسفل والتواطؤ من أعلى، لنكتشف حينها أننا جميعاً.. أردنا أن نرتقي فاستنقعنا.

فالقيادة الحقة لا تقرأ الخرائط، والعدالة لا تسأل “من أين أتيت؟” بل تسأل سؤالاً واحداً فقط: “ماذا قدّمت؟”

Exit mobile version