Site icon صحيفة صدى نيوز إس

القصيدة التي لا تنام… إنعام الحمداني تكتب وجعها على هيئة حياة

كتب الحوار: فايل المطاعني (الحكواتي)

في مجلسٍ يؤمن بأن الكلمة ليست ترفًا، بل ضرورة، وأن الحرف حين يُصغى إليه يتحوّل إلى ضوءٍ يكشف أعماق الإنسان… نفتح اليوم نافذة على تجربة شعرية عراقية تنبض بالذاكرة والوجع والجمال.
من ديالى، حيث تتقاطع التجربة مع الإحساس والوعي، كان لنا هذا الحوار:

س1/ كيف تتشكل التجربة الشعرية لديكِ؟

ج/ تمرّ التجربة بمرحلة انفعالٍ وإحساسٍ يتشكّل داخليًا، تليها مرحلة صياغة ووعي، هو الوعي الجمالي، وهذا يمثل تطورًا طبيعيًا للشاعر من محاولة التعبير عن الذات إلى خلق نص فني.

س2/ هل ترتبط الكتابة لديكِ بلحظة مخصوصة، أم أنها حالة مباغتة تفرض حضورها كما تفعل “اللهفة” في نصوصكِ؟

ج/ الكتابة هي حضور مباغت يلبس لبوس لحظة مخصوصة. هي غيبوبة واعية تفرض حضورها تمامًا كما تفرض اللهفة نفسها على عاشق في ضيافة المطر، لتصبح في نهاية المطاف ساعي بريد اللهفة الذي يربط الشتات بماء الوجد.

س3/ إن وُجدت مسافات صمت في تجربتكِ، كيف تقرئينها اليوم: انقطاعًا أم مخاضًا داخليًا مهّد لولادة أكثر نضجًا؟

ج/ أقرأ مسافات الصمت في تجربتي اليوم كمخاض داخلي مهّد لولادة أكثر نضجًا، لا كانقطاع.

س4/ متى شعرتِ أن صوتكِ الشعري أصبح أكثر وضوحًا وتفرّدًا؟

ج/ يولد الصوت الشعري الفريد عندما يصبح الشعر وسيلة للتأويل وانفتاحًا على أسئلة الوجود، وليس مجرد نقلٍ للواقع.

س5/ بين مواقد ذاكرةٍ مقيمة، ومنافي الرماد، ولهفةٍ لا تعرف السكون… هل تختارين شكل النص، أم أن النص هو من يفرض بنيته وإيقاعه عليكِ؟

ج/ أنا أختار شكل النص الذي يناسب الحالة النفسية، لكن النص هو الذي يفرض بنيته الداخلية وإيقاعه حين يتدفق من منافي الذاكرة محمّلًا بلهفة لا تهدأ. النص هو السيد، والكاتب هو الحارس الأمين لصوته.

س6/ أيّ الأشكال الشعرية تجدينها اليوم الأقرب إلى روحكِ وتجربتكِ، في ظل اشتغالكِ على قصيدة النثر؟

ج/ ظلّ اشتغالي على قصيدة النثر، التي تمثل تحررًا من الوزن والقافية واعتمادًا على كثافة الصورة وشعرية اليومي، فإن الأشكال الشعرية الأقرب إلى روحي وتجربتي هي:
قصيدة الومضة (القصيدة الشذرية) لما فيها من تكثيف فائق وبناء شعوري جميل،
والشعر المنثور (أو النثر المركز) الذي يغور في نقد الواقع ويعتمد بلاغة اليومي والمحكي بعيدًا عن تقريرية النثر المباشر،
وقصيدة التفعيلة المتحررة ذات النفس السردي، التي تمنح حرية للبوح دون الانقياد الكامل لعمود الشعر التقليدي.
تجد تجربتي نفسها في هذه الأشكال لأنها تتيح لي التقاط مفارقات الحياة العابرة، وتمنح القصيدة بنية حيّة قابلة للتطور والتجديد، بعيدًا عن التكلّف التقليدي.

س7/ هل الكتابة لديكِ فعل قرار ووعي، أم استجابة لنداء داخلي لا يمكن تأجيله؟

ج/ هي الاثنان معًا: قرار واعٍ في الشكل والانضباط، ونداء داخلي في الدافع والشرارة.

س8/ هل تكتبين لتوثيق تحوّلاتكِ الداخلية، أم لصياغة معنى يتجاوز الذات نحو الإنسان؟

ج/ كلاهما، أبدأ من الداخل، لكن الغاية أن يصل المعنى إلى ما يتجاوزني نحو الإنسان.

س9/ كيف أثّر عملكِ المشترك في كتاب الشعر النسوي في العراق – قصيدة النثر أنموذجًا – على رؤيتكِ للنص الشعري؟

ج/ وسّع رؤيتي للنص، وأكّد حرية الشكل في قصيدة النثر، وعمّق الإصغاء للصوت النسوي وتعدديته، وربط التجربة الذاتية بسياقها الاجتماعي والإنساني.

س10/ حين تحضر قصائدكِ في قراءات نقدية متعددة، هل ترين ذلك تتويجًا أم مسؤولية مضاعفة تجاه تجربتكِ؟

ج/ مسؤولية مضاعفة أكثر من كونه تتويجًا.

س11/ ما مساحة تأثير النقد على تجربتكِ، وكيف تتعاملين معه؟

ج/ تأثير موجّه لا مُهيمن؛ أستفيد من النقد الرصين لتطوير أدواتي، وأتجاوز ما لا يضيف، مع الحفاظ على صوتي الخاص.

س12/ نُشرت قصائدكِ في صحف ومجلات عربية، ومنها صحيفة الفجر الإماراتية… هل غيّر هذا الانتشار وعيكِ بالمتلقي؟

ج/ نعم، وسّع وعيي بالمتلقي وتنوّعه، فصرت أوازن بين خصوصية صوتي ووضوح الوصول دون تفريط بالعمق.

س13/ ترجمة نصوصكِ إلى لغات أجنبية… هل ترينها انتقالًا للمعنى أم إعادة خلق للنص في سياق مختلف؟

ج/ إعادة خلق في سياق مختلف أكثر من مجرد انتقال؛ فالمعنى يُعاد تشكيله وفق لغة وثقافة جديدة مع الحفاظ على روحه.

س14/ في ظل التقاطعات الثقافية بين العراق وسلطنة عُمان، هل تشعرين أن لهذا البعد حضورًا في وعيكِ الشعري؟ وهل يمكن أن نراكِ قريبًا في عُمان؟

ج/ نعم، أحسّ بحضور هذا التقاطع بوصفه خلفية رمزية تغذّي الخيال وتوسّع أفق الصورة. وأرحّب بالحضور في عُمان متى تهيأت الفرصة، حيث يكتسب النص حياة أخرى بين قرّاء جدد.

س15/ حين تتناولين الألم في نصوصكِ، هل تسعين إلى التحرّر منه أم إلى تحويله إلى قيمة جمالية؟

ج/ أحوّله إلى قيمة جمالية، وفي هذا التحويل يتحقق قدر من التحرّر.

س16/ ما الذي تودّين قوله للشعراء والشاعرات الشباب في بدايات الطريق؟

ج/ اكتبوا بصدقٍ وصبر، واقرأوا كثيرًا بلا استعجال. جرّبوا ووسّعوا أدواتكم، تقبّلوا النقد دون أن تفقدوا صوتكم، واجعلوا الانضباط حليف الموهبة.
وأنا ما زلت تلميذة في مدرسة الشعر، أقبّل ثدي اللغة لأحبو على طريق الأدب.

س17/ وأنتِ تعملين على نصوصكِ القادمة… هل ما زالت الرحلة مفتوحة على البحث، أم أن ملامح مشروعكِ الشعري باتت أكثر وضوحًا؟

ج/ الوضوح عندي ليس في إغلاق الشكل بل في تبلور الاتجاه؛ هناك هاجس ثابت يتعلّق بالإنسان، وباللغة بوصفها مساحة كشف لا تزيين.
أما البحث فما زال حاضرًا بقوة في الصورة والإيقاع وطريقة الاقتراب من التجربة. بمعنى آخر، أعرف إلى أين أميل، لكنني لا أكتب من مكان مكتمل أو نهائي.

خــــتامًا:
بين السؤال وما يفتحه من أفق، تبقى التجربة الشعرية مساحة لا تُحدّ بإجابة واحدة، بل تتجدّد مع كل قراءة، ومع كل نص جديد.
وتظل تجربة إنعام الحمداني شاهدًا على أن الشعر ليس قولًا فحسب، بل حياة تُعاش، ووجعًا يُعاد تشكيله ليصبح جمالًا قابلاً للبقاء.

Exit mobile version