البلوزة الوهرانية.. بين الإرث العريق والطموح العالمي
كمال فليج
كمال فليج _ الجزائر
في قلب مدينة وهران غرب الجزائر، حيث يلتقي عبق البحر بنفحات التاريخ، تبرز “البلوزة الوهرانية” كواحدة من أهم رموز التراث الثقافي الجزائري، متربعة على عرش الأزياء التقليدية في الغرب الجزائري، فهي ليست مجرد قطعة لباس، بل حكاية متجذرة في عمق الحضارات تعكس جمال التصاميم التقليدية وتاريخ المنطقة وهويتها.
وعلى مر السنين، أبدعت أنامل الحرفيين الجزائريين في تشكيل هذه القطعة الفريدة من نوعها باستخدام ألوان زاهية وزخارف دقيقة، مانحين كل بلوزة لمسة خاصة تجعلها عملا فنيا متميزا.
ومن بين الأسماء التي بصمت حضورها في هذا المجال، يمكن ذكر الأخوات قدار فاطمة، ربيعة وزهيرة اللائي نجحن في الحفاظ على هذا التراث وتطويره عبر مزج الأصالة بالمعاصرة داخل ورشتهن الواقعة في نهج الألفية بوهران.
وبمجرد دخول الورشة، تظهر لأول وهلة لوحة من الألوان والتصاميم تجمع بين الأصالة والمعاصرة، خاصة مع عرض نماذج يتجاوز عمر بعضها الثمانين عاما.
وفي هذا الصدد، تقول قدار فاطمة أن البداية تعود إلى شغفها بالخياطة منذ الصغر، حيث كانت تقضي مع أختها ربيعة أوقات الفراغ في تعلم الحياكة والتطريز قبل أن تصقل موهبتها بمركز التكوين المهني، لتحول الهواية إلى حرفة ومصدر رزق.
وعلى مدار أكثر من 35 سنة، واصلت العمل رفقة أخواتها على تصميم البلوزة الوهرانية بمختلف أنماطها، التقليدية والعصرية والممزوجة بينهما.
وتحمل البلوزة الوهرانية قيمة تاريخية واجتماعية مميزة، إذ ارتبطت بمختلف المناسبات، من الأعراس إلى الحياة اليومية، حيث تنوعت أشكالها بين “بلوزة الوقر” البسيطة و”بلوزة البيت” و”بلوزة الكرسي” الخاصة بالعروس و”بلوزة الحمام”، إضافة إلى “بلوزة الزعيم” الشهيرة التي كانت تخاط من أقمشة خاصة وتطرز بزينة دقيقة قد يستغرق إنجازها شهرا كاملا، وتختلف قيمتها حسب المكانة الاجتماعية.
ومع تغير الأذواق عبر الزمن، لم تبق هذه الحرفة جامدة، بل شهدت تطورا ملحوظا، حيث أدخلت تصاميم حديثة مع الحفاظ على روح البلوزة الأصلية، مثل البلوزة المنسوجة بخيوط ذهبية وأخرى من القطيفة أو الحرير، بتطريزات زاهية وتفصيلات عصرية تناسب مختلف المناسبات.
من جهتها، تؤكد قدار ربيعة أن البلوزة الوهرانية تشهد اليوم عودة قوية إلى واجهة الأعراس والمناسبات بعد فترة من التراجع أمام أزياء تقليدية أخرى، مشيرة إلى تزايد الطلب عليها داخل الوطن وخارجه، خاصة من الجالية الجزائرية والأجانب المهتمين بالثقافة الجزائرية، ما يعكس جاذبيتها المتجددة.
وترى أن هذا الإقبال يشكل حافزا للحرفيين على الابتكار، مع ضرورة الحفاظ على معايير الجودة التي تميز هذا اللباس منذ عقود، معبرة في الوقت نفسه عن أسفها لانتشار نماذج مقلدة لا تحترم أصالة هذا التراث.
أما قدار زهيرة، المكلفة بالتسويق، فتوضح أن أسعار البلوزة الوهرانية تختلف حسب الطلب، حيث تتراوح بين 20 ألف و250 ألف دينار جزائري، مع الحرص الدائم على استخدام مواد عالية الجودة، التزاما بشعار العلامة.
وفي سياق متصل، أبرزت المتحدثة أهمية الجهود التي تبذلها الدولة لحماية هذا الموروث، خاصة بعد إيداع ملف تصنيف البلوزة الوهرانية ضمن قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو، في خطوة تهدف إلى تثبيت هويتها الجزائرية والتعريف بها عالميا.
وتبقى البلوزة الوهرانية أكثر من مجرد لباس تقليدي، بل هي رمز للهوية والتاريخ وتجسيد لفن راق توارثته الأجيال وسيظل شاهدا حيا على ثراء الثقافة الجزائرية وقدرتها على التألق عبر الزمن.