العارضة – صدى نيوز اس
عبدالله شراحيلي
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتُختصر فيه المسافات، أصبح الحكم على الآخرين أسهل من أي وقت مضى، لكنه في المقابل أكثر خطورة. كلمةٌ عابرة، موقفٌ ناقص، أو تصرفٌ لم نفهم أسبابه، كفيل بأن يدفعنا إلى إصدار حكمٍ سريع قد نظلم به غيرنا، وربما نظلم أنفسنا قبلهم. وهنا تبرز قيمة عظيمة نفتقدها أحيانًا: الصبر قبل الحكم.
الصبر ليس مجرد انتظارٍ سلبي، بل هو وعيٌ عميق يمنحنا القدرة على التمهّل، والنظر إلى الأمور من زوايا متعددة، والتفريق بين الظاهر والحقيقة. والتدرب على هذا الصبر مهارة يمكن اكتسابها، وليست صفة فطرية حكرًا على البعض.
أول خطوة في هذا الطريق هي إدراك أن ما نراه ليس دائمًا كامل الصورة. كل إنسان يحمل خلف تصرفاته ظروفًا لا نعرفها، وتجارب لم نعشها، ونوايا قد تخفى علينا. حين نُذكّر أنفسنا بهذه الحقيقة، نبدأ تلقائيًا في كبح رغبتنا في التسرع بالحكم.
ثم يأتي دور التمهّل في رد الفعل. بدلًا من أن نبادر بالتعليق أو النقد، يمكننا أن نمنح أنفسنا لحظة صمت. هذه اللحظة البسيطة قد تكون الفارق بين حكمٍ ظالم وفهمٍ عادل. فالصمت أحيانًا ليس ضعفًا، بل مساحة للتفكير وإعادة التقييم.
ومن أهم وسائل التدريب أيضًا: طرح الأسئلة بدل إطلاق الأحكام. اسأل نفسك: ماذا لو كان هناك سبب لم أفهمه؟ ماذا لو كنت أنا في مكانه؟ هذا التحوّل من الاتهام إلى التساؤل يفتح باب الرحمة ويغلق باب التسرع.
كما أن تذكّر أخطائنا الشخصية يساعدنا على التواضع في الحكم على الآخرين. كلنا مررنا بمواقف أُسيء فهمنا فيها، أو تصرفنا بطريقة لم تعبّر عن حقيقتنا. حين نستحضر تلك اللحظات، نصبح أكثر لطفًا في تقييمنا للآخرين.
ولا يمكن أن نغفل عن أهمية تدريب النفس على حسن الظن. ليس المقصود تجاهل الأخطاء، بل إعطاء مساحة لاحتمال الخير، وعدم القفز مباشرة إلى أسوأ التفسيرات. حسن الظن يهدّئ القلب، ويمنح العقل فرصة للتوازن.
أخيرًا، الصبر قبل الحكم هو انعكاس لنضج الإنسان الداخلي. هو علامة على عقلٍ يرفض السطحية، وقلبٍ يميل إلى العدل، ونفسٍ تسعى إلى السلام. وقد لا ننجح دائمًا في ضبط أحكامنا، لكن الاستمرار في المحاولة هو بحد ذاته خطوة نحو إنسانٍ أكثر حكمة.
ففي كل مرة نؤجل فيها حكمًا، ونختار الفهم بدل الإدانة، نكون قد انتصرنا لأنفسنا قبل أن ننصف غيرنا.

