بقلم / الدكتور عبدالعزيز الرميلي النعمي
في بعض الأمسيات لا يكون الحضور مجرد حضور، بل يكون عبورًا إلى مساحة أرحب من الوعي، حيث الكلمة ليست لفظًا عابرًا، والرأي ليس موقفًا جامدًا بل كيانًا حيًا يتنفس في فضاء الحوار وهكذا كانت أمسية الدكتور حمود أبو طالب في بيت الثقافة بجازان أمسية لم تكن لقاءً عاديًا بل مشهدًا ثقافيًا مكثفًا أعاد للمنصة هيبتها وللكلمة سلطانها
الدكتور حمود أبو طالب لا يتحدث بوصفه كاتبًا فحسب بل بوصفه تجربة ممتدة في صناعة المعنى يحمل في صوته رصيد السنين وفي فكره عمق الممارسة، وفي طرحه تلك القدرة النادرة على أن يجعل الفكرة الثقيلة خفيفة العبور إلى العقول
كان حضوره في الأمسية حضورًا مكتمل الأدوات اتزان الفكرة وأناقة العبارة وصدق التجربة وحين يتحدث أمثال حمود تشعر أن اللغة نفسها تستقيم احترامًا لما يُقال
ما يميز الدكتور حمود ليس كثافة المعرفة فقط بل إنسانيته في تقديمها تلك السمة التي تجعل المتلقي يشعر أنه أمام عقل كبير وقلب حاضر معًا وهذه معادلة نادرة فليس كل مثقف قادرًا على أن يمنح المعرفة دفئها الإنساني
وفي المقابل برزت الأستاذة دعاء أبو طالب بوصفها محاورة تعرف كيف تقود الحوار دون أن تصادره وكيف تمنح الضيف المساحة دون أن تفقد زمام الإيقاع كانت إدارتها للقاء مثالًا للحرفية الهادئة سؤال يعرف طريقه وإنصات يعرف قيمته وانتقال ذكي بين المحاور يجعل الحوار متدفقًا بلا تعثر
إدارة الحوار ليست مهمة شكلية كما يظن البعض إنها فن مستقل يحتاج إلى ذكاء وحضور ذهني ووعي عميق بطبيعة الضيف والجمهور وهذا ما قدمته الأستاذة دعاء بتميّز واضح حيث صنعت جسورًا سلسة بين الفكرة وسامعها وبين التجربة وفضول المتلقي
مثل هذه اللقاءات تؤكد لنا أن الثقافة ليست ترفًا بل ضرورة إنسانية وأن الحوار حين يُدار بوعي ويُثقل بالتجربة يصبح وسيلة لترميم الداخل الإنساني وإحياء الأسئلة الكبرى فينا
تحية للدكتور حمود أبو طالب الذي أثبت مرة أخرى أن الكلمة حين تخرج من تجربة صادقة تصل
وتحية للأستاذة دعاء أبو طالب التي أكدت أن إدارة الحوار ليست مجرد تقديم بل صناعة مشهد ثقافي متكامل

