بقلم الدكتورة/
نسرين الطويرقي :مكة المكرمة:-
تشريح واقع التنفيذ بين الورق الموقّع والصورة المزيفة والتشوه الجديد
لم تعد مشكلة عقود الصيانة والنظافة وتأمين المياه في مدارسنا مجرد “تأخير في التنفيذ”، بل تحوّلت إلى منظومة خلل مركّب تبدأ بتوقيع أعمى، وتمر بتوثيق كاذب، وتنتهي بتشوه بصري جديد يُضاف فوق التشوه القديم.
أولاً: ثقافة “المشّي”.. حين يصبح التوقيع أهم من الإنجاز
تحت ضغط تسيير اليوم الدراسي، تسللت إلى الميدان ثقافة خطيرة اسمها “مشّي حالك”. فلسفتها: وقّع على استلام الصيانة حتى لو كانت ناقصة، “خلّي المركب تمشي ما نبغاها تعوم”.
هنا يتحول هدف مندوب الشركة من “إتقان العمل” إلى “انتزاع التوقيع” بأي وسيلة، لأن التوقيع = مستخلص مالي. ويجد مدير المدرسة نفسه بين خيارين: إما تعطيل المرفق وانتظار جودة لن تأتي، أو “التّمشية” وتوقيع استلام مكيف ما زال يخرّ ماءً، أو دورة مياه نُظفت ظاهراً فقط.
النتيجة: “إنجاز ورقي” يُصرف عليه المال العام، و”خراب واقعي” يدفع ثمنه الطالب يومياً. والرسالة التي تصل للمقاول: الورقة أهم من الإتقان.
ثانياً: التوثيق الرقمي الكذاب.. حين تكذب الكاميرا
بعد إلزام الشركات بإرفاق صور “قبل وبعد”، تطور التزييف من الورق إلى البكسل. ظهرت حيل جديدة حوّلت الكاميرا من شاهد عدل إلى شاهد زور:
خدعة الحمام المجاور: تصوير كرسي حمام معطل كـ “قبل”، ثم تصوير السليم بجواره كـ “بعد الإصلاح”.
تدوير الصور: صورة واحدة لمكيف نظيف تُستخدم في 10 مستخلصات لمدارس مختلفة.
فبركة اللحظة: وهي الأخطر. يصوّر الفني الشفاط العطلان كـ “قبل”، ثم يفك الغطاء ويدفع المروحة بيده لتدور ثانية واحدة، ويصورها فيديو قصير كـ “بعد الإصلاح”.. وهو لم يغير الدينمو ولم يعالج العطل من أساسه. وبمجرد خروجه يتوقف الشفاط، لكنه قبض قيمة “إصلاح وهمي”.
المونتاج اللحظي: تنظيف متر واحد وتصويره عن قرب ليبدو ممراً كاملاً لامعاً.
وهكذا أنتجنا “إنجاز فوتوشوب”: واقع مزيف على الشاشة، وخراب حقيقي على الأرض. والضحية طالب يتنفس هواء فاسداً في فصل شفاطه “مُصلّح على الورق” فقط.
ثالثاً: القاع.. ترقيع التشوه بتشوه جديد
وصلنا إلى المرحلة الأخطر: “فلسفة الترقيع”. لم نعد أمام إهمال، بل أمام منهجية “إدارة التشوه بالتشوه”.
المسمار المصدي البارز؟ لا يُخلع.. بل يُربط فوقه فيشر جديد فيتضاعف الخطر.
الجدار المتشقق؟ لا يُعالج سبب الشق.. بل تُلصق فوقه لوحة فلين لتخفيه.
البلاطة المكسورة؟ لا تُستبدل.. بل يُسكب فوقها إسمنت عشوائي فيتحول الممر إلى تضاريس.
هذه ليست صيانة،
بل جريمة ترقيع تُهدر المال مرتين: مرة على الترقيع الفاشل، ومرة على الإصلاح الحقيقي لاحقاً. والأخطر أنها تُشوه الذوق العام وتُربي الطلاب على أن “العيب لا يُعالج بل يُغطى”.
رابعاً: كيف ننقذ المركب من الغرق؟
المركب لا تمشي بالترقيع ولا بالصور الكاذبة. الحل في حوكمة صارمة تربط التوقيع بالتحقق، والصورة بالصدق، والإصلاح بالجذر:
اقتلاع ثقافة “المشّي”: حماية المدير نظاماً عند رفضه التوقيع على عمل ناقص، ومعاقبة الشركة التي تماطل أو تضغط.
تذكية التوثيق: إلزام تطبيق تصوير يطبع تلقائياً التاريخ والوقت والإحداثيات GPS على الصورة والفيديو. وللأجهزة المتحركة كالشفاطات والمراوح: اشتراط فيديو لا يقل عن 60 ثانية متواصلة يُظهر الجهاز يعمل بعد إعادة تركيب الغطاء وتشغيله من المفتاح الرئيسي، وليس بدفعة يد.
اعتماد “كود الإصلاح”: كل عطل له طريقة إصلاح جذرية معتمدة بالعقد. لا يُقبل “التربيط فوق المصدي” كإصلاح.
غرامة التشويه البصري: خصم 3 أضعاف قيمة البند إذا ثبت أن الإصلاح تم بطريقة تُضاعف الخطر أو تُشوه المظهر.
المسؤولية التضامنية: يوقّع المدير على صحة “العمل” وصحة “الصورة” معاً. فإذا ثبت التزييف، يُساءل الطرفان.
خاتمة: لا توقيع بلا تحقق.. ولا إصلاح بلا اقتلاع
إن استمرار حلقة
“وقّع ومشّي” ثم “صوّر وزيّف” ثم “رقّع وشوّه” هو استنزاف للمال العام وتعريض لسلامة 6 ملايين طالب للخطر.
المركب التي نمشيها بالتوقيع الأعمى ستعوم، والتي نُوثقها بصور كاذبة ستغرق، والتي نُرقع خروقها بتشوه جديد ستنشطر.
الحل واحد: لا مستخلص بلا إتقان، ولا إصلاح بلا اقتلاع للمسمار المصدي من جذوره. فالأمانة قبل الصورة، والسلامة قبل التوقيع.

