✒️ : فلوة العروج
تشهد المنظومة التعليمية اليوم تحولات نوعية في فلسفة الإشراف التربوي وأدواره، لم تعد تنظر إلى المدرسة بوصفها وحدة تنفيذ تتلقى التوجيه، بل باعتبارها مؤسسة قادرة على تشخيص واقعها، وبناء خططها، وقيادة تحسينها الذاتي. ومن هذا المنطلق برز النموذج الإشرافي الجديد القائم على تمكين المدرسة، حيث تحولت العلاقة التقليدية بين المدرسة والمشرف التربوي التخصصي من علاقة فردية مباشرة إلى نموذج يعتمد على فرق الدعم والمساندة، بهدف تعزيز استقلالية المدرسة، ورفع جودة نواتج التعلم، وتحقيق التحسين المستدام.
هذا التحول يعكس توجهًا تطويريًا مهمًا، لكنه في الوقت ذاته يثير سؤالًا مهنيًا يستحق التأمل: هل التقويم المدرسي بصيغته الجديدة أصبح بديلًا عن الإش ارف التخصصي؟ أم أنه أداة ضمن منظومة أوسع لا تكتمل إلا بتكامله مع الإشراف؟
في تقديري، الإشكالية لا تكمن في مبدأ التمكين ذاته، بل في التصور الذي قد يربط بين تمكين المدرسة والاستغناء التدريجي عن الإشراف التخصصي، وكأن أحدهما يلغي الآخر. فالتقويم الذاتي والتقويم الخارجي يمثلان أدوات مهمة للحكم على الأداء، ورصد الفجوات، وتوجيه خطط التحسين، لكنها لا تؤدي بالضرورة الوظيفة المهنية العميقة التي يؤديها المشرف التخصصي في دعم المعلم، ومساندة المدرسة في التعامل مع المستجدات التربوية والمهنية.
فهل أسهم هذا التحول بالفعل في رفع نواتج التعلم بالمستوى المأمول؟ وهل الزيا ارت الشاملة المتفرقة، رغم أهميتها، كافية لتقديم دعم نوعي يغطي تنوع التخصصات واحتياجات المعلمين؟ وهل تستطيع المدرسة – مهما بلغت درجة جاهزيتها – أن تواجه تحولات المناهج، وتطور است ارتيجيات التدريس، ومتطلبات التعلم الحديثة دون عمق الدعم التخصصي؟
هذه تساؤلات لا تنطلق من التشكيك في النموذج الجديد، بل من الحرص على جودة تطبيقه. فالتمكين الحقيقي لا يعني ترك المدرسة تواجه تحدياتها منفردة، بل يعني منحها الصلاحية مع الإسناد، والاستقلالية مع الدعم.
ومن هنا يبدو من الضروري النظر إلى الإش ارف التخصصي والتقويم المدرسي باعتبارهما مسارين متكاملين ،لا مسارين متنافسين. فالإشراف التخصصي ليس مجرد زيا ارت متابعة، بل خبرة مهنية تراكمية تسهم في
.تحسين الممارسات التعليمية، بينما يمثل التقويم إطار للحكم على مستوى الأداء ومؤشرات التحسن ولعل من الأفكار الجديرة بالنقاش أن تبنى فرق التقويم الخارجي بالتكامل مع هيئة تقويم التعليم والتدريب من مشرفين تخصصيين مؤهلين ومدرَّبين على منهجيات التقويم، بحيث يمارسون دوار مزدوجًا يجمع بين التقويم والدعم، وبين المساءلة والتحسين، وهو تصور قد يحقق عمقًا أكبر في النموذج الإشرافي الجديد، بدل الفصل بين الوظيفتين.
إن المدرسة المُمكّنة تحتاج إلى قيادة فاعلة، لكنها تحتاج كذلك إلى سند تخصصي ذكي، لأن جودة التعليم لا تبنى بالصلاحيات وحدها، بل بالش اركات المهنية القادرة على تحويل التقويم من إجراء رقابي إلى أداة تطوير.
فالرهان الحقيقي ليس: هل ينوب التقويم عن الإشراف؟
بل: كيف نجعل التقويم والإشراف يعملان معًا لصناعة تعليم أكثر جودة، وأكثر استدامة، وأكثر قدرة على صناعة الأثر؟
وهنا تبدأ الإجابة الحقيقية…

