بين جدران الذاكرة… دار عبد اللطيف حيث يسكن الفن والتاريخ
كمال فليج
بقلم: كمال فليج – الجزائر
في قلب الجزائر العاصمة، بعيدًا عن ضجيج المدينة وتسارع الإسمنت، تقف دار عبد اللطيف شامخة كقصيدة قديمة لم تفقد بريقها، وكأنها ترفض أن تتحول إلى مجرد معلم أثري عابر في ذاكرة الزمن. هناك، قرب حديقة التجارب بالحامة ومقام الشهيد، لا يبدو المكان مجرد بناية عثمانية عتيقة، بل فضاءً تتقاطع فيه الذاكرة بالفن، والتاريخ بالصمت.
دار عبد اللطيف ليست مجرد جدران بيضاء وأقواس أندلسية، بل حكاية مدينة كاملة اختزلت قرونًا من التحولات السياسية والثقافية والفنية. فمنذ العهد العثماني، حين كانت ملكًا لأحد أعيان الجزائر، إلى سنوات الاستعمار الفرنسي، ثم مرحلة الاستقلال، بقيت الدار شاهدة على زمن يتغير، بينما هي تحافظ على روحها الأصيلة.
ويقال إن عمر هذا الصرح يتجاوز ثلاثة قرون، ما يجعله واحدًا من أقدم الفضاءات التاريخية بالعاصمة. لكن القيمة الحقيقية للمكان لا تكمن فقط في عمره، بل في تلك الروح الفنية التي تسكنه. فقد تحولت دار عبد اللطيف خلال الحقبة الاستعمارية إلى فضاء للفنانين التشكيليين، حتى لقبت بـ “فيلا الفنانين”، واستقبلت أسماء عديدة جعلت منها مدرسة للإبداع وملتقى للفن والجمال.
داخل أروقتها، يبدو الزمن أبطأ. النوافذ العتيقة، الزخارف التقليدية، والحدائق التي تحيط بالمكان، كلها تمنح الزائر شعورًا بأنه دخل إلى لوحة فنية لا إلى بناية حجرية. حتى الصمت هناك له هيبته الخاصة، وكأن الجدران ما تزال تحفظ همسات الرسامين والكتّاب الذين مروا من هنا وتركوا جزءًا من أرواحهم بين الزوايا.
ورغم قيمتها التاريخية والثقافية، تبقى دار عبد اللطيف واحدة من الكنوز المنسية في الجزائر. فالكثير من الجزائريين يعرفون اسمها، لكن القليل فقط يدركون حجم الإرث الذي تختزنه. إنها ليست مجرد معلم سياحي، بل ذاكرة وطنية مفتوحة على الفن والتاريخ والهوية.
وفي زمن أصبحت فيه المدن تركض نحو الحداثة وتنسى روحها القديمة، تبدو دار عبد اللطيف وكأنها تقاوم النسيان. تقف هناك بهدوء، لتقول إن الجزائر لا تُختزل في الإسمنت والطرق السريعة فقط، بل في تلك الأمكنة التي تحفظ روحها العميقة.
دار عبد اللطيف… ليست بيتًا قديمًا فحسب، بل مرآة لذاكرة الجزائر الثقافية، وصوتًا خافتًا يذكّرنا بأن بعض الأماكن لا تموت، لأنها ببساطة تسكن الوجدان.