Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الكاتبة والفنانة ناجية البكوش في ضيافة الحكواتي

 

رحلة بين الذاكرة واللون… حيث يتحول الفن إلى سيرة روح

في هذا المجلس الذي اعتاد أن يصغي للحكاية حين تتجاوز حدود الكلام، وتتحول إلى أثرٍ إنسانيٍّ عميق، نستضيف اليوم الكاتبة والفنانة التشكيلية ناجية البكوش، في حوارٍ يفتح أبواب التجربة على اتساعها، ويقترب من الأسئلة التي لا تُجاب بقدر ما تُعاش. هو لقاء مع الفن حين يصبح قدرًا، ومع الإنسان حين يواجه ذاته عبر اللون والكلمة والذاكرة.

س1: متى شعرتِ أن الفن لم يعد خيارًا، بل قدرًا لا يمكن الفكاك منه؟

ج: لم يكن الأمر لحظةً واحدةً فاصلة، بل كان تسلّلًا هادئًا يشبه الضوء حين يتسرّب من شقوق الروح… في طفولتي، كنت أظن أنني أختار الرسم، ثم اكتشفت لاحقًا أن اللوحة هي التي تختارني، وأنني كلما حاولت الابتعاد، عدتُ إليها كما يعود النبض إلى القلب. شعرتُ أنه قدر حين صار الفن طريقتي الوحيدة لفهم نفسي، وللاحتماء من قسوة العالم، وحين أدركت أنني إن تركته، سأفقد لغتي التي أتنفّس بها.

س2: بين الشعر والرسم… أيهما كان صوتك الأول، وأيهما صار ملجأك الأخير؟ ج: الشعر كان الهمسة الأولى، تلك التي خرجت خجولة من داخلي، تبحث عن شكلٍ يُعبّر عنها… أما الرسم فكان الصمت العميق الذي يحتضن كل ما عجزت الكلمات عن قوله. بدأت بالشعر لأن اللغة كانت أقرب، لكنني عدت دائمًا إلى اللوحة، لأنها لا تخون ارتباكي، ولا تطالبني بالوضوح. في النهاية، لم يعد بينهما فصل… كلاهما صار وجهي الآخر.

س3: كيف أثّرت البيئة العائلية، التي يغلب عليها التعليم والثقافة، في تشكيل وعيك الفني والإنساني؟

ج: العائلة كانت التربة الأولى التي نبت فيها هذا الحسّ… لم تكن الثقافة تُفرض علينا، بل كانت تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية. تعلّمت منذ الصغر أن السؤال أهم من الجواب، وأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يفهم ويشعر. هذا المناخ جعل الفن بالنسبة لي ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية، وجعلني أرى الإنسان قبل أن أرى الشكل.

س4: باريس… ليست مجرد مدينة، بل تجربة. ماذا أخذت منكِ، وماذا أضافت إليك؟ ج: باريس أخذت مني يقيني البسيط، وكسرت تلك الصورة المثالية التي كنت أحملها عن العالم… لكنها في المقابل منحتني شكًّا جميلًا، ووسّعت رؤيتي للفن والحياة. هناك تعلّمت أن أكون وحيدة دون أن أشعر بالوحدة، وأن أرى الجمال حتى في التناقض. باريس لم تغيّرني، لكنها جعلتني أرى نفسي بوضوحٍ أكبر.

س5: لو عدنا إلى أول لوحة عرضتِها… ماذا ترين فيها اليوم؟ براءة البدايات أم ملامح الطريق؟

ج: أراها كمرآة لطفلة كانت تحاول أن تقول شيئًا أكبر منها… فيها براءة، نعم، لكنها ليست براءة ساذجة، بل براءة السؤال الأول. أبتسم لها الآن، لا لأنني تجاوزتها، بل لأنها ما زالت تسكنني، وتذكّرني أن الطريق مهما طال، يبدأ دائمًا من دهشة صغيرة.

س6: مشاركاتك المتعددة في المعارض… هل كانت بحثًا عن الاعتراف، أم رغبة في مشاركة الروح مع الآخرين؟

ج: في البداية، ربما كان هناك جزء خفي يبحث عن الاعتراف… وهذا طبيعي. لكن مع الزمن، تغيّر الأمر. صرت أشارك لأن الفن لا يكتمل في العزلة، ولأن اللوحة حين تُعرض، تبدأ حياة أخرى خارج صاحبها. لم يعد الأمر إثباتًا، بل مشاركة… كأنني أضع قطعة من روحي في فضاء مفتوح، وأنتظر أن تجد من يفهمها.

س7: الفن حين يلامس القضايا الإنسانية، كما في “نصرة فلسطين”… كيف يتحول من تعبير جمالي إلى موقف؟

ج: حين يلامس الفن الألم الإنساني، لا يعود ترفًا بصريًا، بل يصبح شهادة. في تلك اللحظة، لا أرسم لأُجمّل الواقع، بل لأفضحه، لأحفظ الذاكرة من النسيان. “فلسطين” ليست موضوعًا فنيًا، بل جرحٌ في الوعي… وعندما أرسمها، أشعر أنني لا أختار، بل أستجيب لنداء داخلي يرفض الصمت.

س8: لكِ حضور في العمل التطوعي وتعليم الأطفال وذوي الاحتياجات… ماذا تعلّمتِ منهم أكثر مما علمتِهم؟

ج: تعلّمت منهم الصدق… ذلك الصدق العاري من الأقنعة. الأطفال وذوو الاحتياجات لا يُجاملون، ولا يتصنّعون… يعبّرون كما يشعرون، لا كما يُتوقع منهم. أعادوا إليّ تلك البساطة التي نفقدها ونحن نكبر، وذكّروني أن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى تعقيد، بل إلى قلبٍ مفتوح.

س9: هل يمكن للفنان أن يكون مكتملًا دون أن يمرّ بتجارب الألم والخسارة؟

ج: لا أؤمن بالكمال أصلًا… لكنني أؤمن أن الألم يوسّع المساحة الداخلية للإنسان. ليس شرطًا أن يعاني الفنان ليُبدع، لكن التجارب القاسية تمنحه عمقًا، تجعله يرى ما لا يُرى. الألم ليس غاية، لكنه معبر… ومن يعبره بوعي، يعود بعملٍ أكثر صدقًا.

س10: كتابك الذي صدر، والذي تعملين عليه الآن… هل هو توثيق لمسيرتك، أم محاولة لفهم ذاتك؟

ج: هو محاولة للفهم قبل أن يكون توثيقًا… لأنني أكتب لأرى ما لم أره في نفسي. المسيرة يمكن أن تُحكى، لكن الذات لا تُفهم بسهولة. الكتابة بالنسبة لي ليست تسجيلًا لما حدث، بل حوار مستمر مع ما يحدث في الداخل.

س11: “جربتنا” كجمعية ثقافية… هل هي مشروع ذاكرة، أم مشروع مستقبل؟

ج: هي جسر بين الاثنين… نحفظ من خلالها الذاكرة حتى لا تضيع، ونفتح بها نافذة للمستقبل. أؤمن أن المجتمعات التي تنسى ماضيها، تفقد قدرتها على بناء غدها… و”جربتنا” محاولة لأن نبقى متصلين، لا بما كان فقط، بل بما يمكن أن يكون.

س12: لو خُيّرتِ بين أن تُذكر أعمالك، أو يُذكر أثرك الإنساني… ماذا تختارين؟ ولماذا؟

ج: الأثر الإنساني… لأن العمل قد يُنسى أو يُستبدل، لكن الأثر يبقى في الناس، في طريقة شعورهم، في لحظةٍ ربما غيّرت شيئًا صغيرًا داخلهم. ما يهمني ليس أن يُقال إنني رسمت، بل أن يكون لما رسمته صدى في قلب إنسان.

س13: ماذا تقول ناجية البكوش للطفلة التي كانت تلقي الشعر في مجالس العائلة؟

ج: أقول لها: لا تخافي من صوتك… حتى لو لم يفهمك الجميع. استمري في الدهشة، فهي أثمن ما تملكين. ستكبرين، وستحاول الحياة أن تُعلّمك الصمت، لكن لا تسمحي لها أن تأخذ منكِ تلك الطفلة التي تؤمن أن للكلمات أجنحة. أضيفي إليك شيئًا واحدًا… لا تجعلي الفن وسيلة للظهور فقط، بل اجعليه طريقًا للمعرفة. اسألي نفسك دائمًا: لماذا تكتبين؟ لماذا ترسمين؟ إن لم تجدين جوابًا صادقًا، فابحثي أكثر… لأن الإبداع الحقيقي لا يولد من الرغبة في أن نرى، بل من الحاجة إلى أن نفهم ونحسّ ونُغيّر.بكل سرور،

إلى الحكواتي المبدع: فايل بن سريد المطاعني صاحب الحكاية النابضة وروح السؤال العميق، أتقدّم إليك بخالص الشكر وعظيم الامتنان، على هذا اللقاء الثري، وعلى حوارك الراقي الذي أضفى على الكلمات حياةً ومعنى. لقد كانت أسئلتك جسورًا نحو التأمل، ومفاتيح فتحت أبواب الفكر والبوح، فجعلت من هذا اللقاء لحظة إنسانية مميزة لا تُنسى. شكرًا لك وعلى أسلوبك الواعي الذي يجمع بين الحكمة والجمال. مع خالص التقدير والاحترام ناجية البكوش

في ختام هذا الحوار، لا تُغلق الأسئلة بقدر ما تُفتح آفاق جديدة للتأمل. تبقى تجربة ناجية البكوش شاهدًا على أن الفن ليس فعلًا منفصلًا عن الحياة، بل امتدادٌ لها حين تصدق، وحين تتحول الذات إلى مساحةٍ للمعنى. هو لقاء ينتهي على الورق، لكنه يستمر في الوعي، حيث يبقى أثر الكلمة أعمق من نهايتها.

بقلم . فايل المطاعني ( الحكواتي )

Exit mobile version