Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين تتكلّم الألوان… وتُصغي الروح الفنانة التشكيلية والشاعرة التونسية كريمة بن مسعود في مجلس الحكواتي.

كتب الحوار . فايل المطاعني ( الحكواتي )

في مجلسٍ اعتاد أن ينتقي ضيوفه كما تُنتقى اللحظات النادرة من عمر الدهشة…
وحيث لا تكون الحكاية سردًا عابرًا، بل أثرًا يُكتب في الوجدان…
نلتقي اليوم بروحٍ فنيةٍ لا ترى اللوحة سطحًا، بل كيانًا نابضًا بالحياة، ولا تعتبر اللون اختيارًا، بل اعترافًا داخليًا يُقال بصمت.

هي تجربةٌ لا تكتفي بأن تُرى… بل تُحَسّ، وتُعاش بين طبقات الضوء والظل، بين التأمل والحدس، بين الواقع كما يبدو… والواقع كما يُعاد خلقه في القلب.
في هذا الحوار، نقترب من عالَمٍ تتداخل فيه الرؤية بالإحساس، ويصبح الفن فيه وطنًا متنقّلًا، ولغةً تتجاوز كل حدود.
نترككم مع هذا اللقاء الثري في مجلس الحكواتي… حيث للكلمة روح، وللحكاية أثر.

س1: متى أدركتِ أن الفن ليس مجرد موهبة، بل مسار حياة؟
ج: أدركتُ ذلك حين لم يعد الفن خيارًا أعود إليه، بل صار هو المكان الذي أعود فيه إلى نفسي. حين أصبحت اللوحة مرآتي الوحيدة، فهمت أنني لا أمارسه… بل أعيشه. وكان ذلك مباشرة بعد انهاء تكويني الأكاديمي في المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس العاصمة. حينها اكتشفتُ أنني إن لم أرسم… ينطفئ شيء داخلي لا يُرى. وفهمت أن الفن ليس زينة للروح، بل هو نَفَسها الخفي، وأنني إن غادرته… غادرتُ نفسي.

س2: كيف تولد الفكرة لديكِ… من إحساس عابر أم من تأمل طويل؟
ج: الفكرة عندي بذرة إحساس، لكنّها لا تنبت إلا في تربة التأمل. أحيانًا يمرّ إحساس خاطف، فيتركني مشتعلة به أيامًا، حتى يتحوّل إلى شكل ولون. تأتيني الفكرة كومضة، لكنّها لا تصير ضوءًا إلا إذا احتضنها الصمت طويلًا. هي رعشة عابرة تتحوّل، مع التأمل، إلى قدرٍ يُرسم.

س3: ماذا يمثل اللون في عالمكِ الفني؟
ج: اللون ليس عنصرًا… بل كائن حي. هو نبض اللوحة، وصوتها الخفي. كل لون عندي يحمل ذاكرة، وشيئًا من روحي. ولا يمثل اللون صبغة… بل اعتراف. كل لون هو سرّ باح به القلب.

س4: هل ترسمين الواقع كما هو… أم تعيدين خلقه برؤيتك الخاصة؟
ج: الواقع بالنسبة لي مادة خام، أما اللوحة فهي إعادة ولادة له. لا أنقله كما هو، بل كما أشعر به… كما يمرّ عبر قلبي. لذلك أنا لا أرسم الواقع بل أقوم بتأويله… لأنني لا أراه بعيني فقط، بل بعقلي وروحي وقلبي أيضًا، فيولد في لوحاتي كشيءٍ آخر… أكثر صدقًا، وأقلّ يقينًا.

س5: كيف أثّرت مشاركاتك الدولية على تجربتك التشكيلية؟
ج: المشاركات الدولية وسّعت أفق الرؤية وأثرت تجربتي التشكيلية، وجعلتني أرى ذاتي من خارجها. هناك، يتجاوز العمل سياقه المحلي، ويواجه العالم بلغته الصامتة. كما تعلمت في البعيد، أن اللوحة وطنٌ متنقّل. وأن الألوان، حين تُنزع من لغتها الأولى، تكتشف لغاتٍ أخرى تشبهها.

س6: بصفتكِ كوميسار ومنسقة معارض… ماذا أضاف لك هذا الدور؟
ج: هذا الدور منحني عينًا أخرى… عين ترى الفن من الخارج. تعلّمت كيف أقرأ الأعمال، لا فقط كيف أخلقها، وكيف أُصغي لتجارب الآخرين بعمق. وصرت أرى الفن كحوارٍ لا كصوتٍ منفرد. صرتُ أصغي لما بين الأعمال، لا لما فيها فقط… وأفهم أن المعنى يولد أحيانًا في المسافة.

س7: ما العلاقة التي تربطكِ باللوحة بعد اكتمالها؟
ج: بعد اكتمالها، تصبح اللوحة كائنًا مستقلاً عني، حيث تنتهي أمومتي لها، وأتركها لتواجه العالم وحدها، كطفلٍ تعلّم المشي دون أن يلتفت خلفه.

س8: أين تجدين نفسكِ أكثر… في الرسم من الطبيعة أم من الخيال؟
ج: أجد نفسي في المسافة بينهما. الطبيعة تمنحني الشكل، والخيال يمنحني الحرية. تعلّمني الطبيعة جمالها، ويمنحني الخيال حرية إعادة الحلم بها.

س9: ما التحديات التي تواجه الفنان التشكيلي اليوم؟
ج: التحدي الأكبر هو أن يحافظ الفنان على صدقه في زمن السرعة والسطحية، وأن يجد صوته وسط الضجيج. تبقى التحديات كثيرة، لكنها فرص أيضًا. أجملها أن يخلق الفنان لنفسه مساحة صدق وسط العالم، وأن يحوّل الصعوبة إلى إبداع.

س10: كيف تنظرين إلى دور الفن في التعبير عن الإنسان وقضاياه؟
ج: الفن ليس مرآة للإنسان… بل شقّ فيه. هو الجرح الذي يسمح للحقيقة أن ترى النور، ولو لوهلة. وهو أيضًا الأمل حين تضيق اللغة. هو الجسر الذي يربط القلوب، ويمنح الإنسان قدرة على الحلم حتى في أصعب اللحظات.

س11: ما الذي تبحثين عنه في كل عمل فني تقدّمينه؟
ج: أبحث عن لحظة صدق… لحظة أشعر فيها أنني لم أخن إحساسي، كما أبحث عن لحظة نور… عن أثر يزرع طمأنينة أو دهشة صغيرة في روح من يراه.

س12: لو أردتِ وصف تجربتكِ الفنية بكلمة واحدة… ماذا تختارين؟
ج: ازدهار.

س13: لو تحوّل حضوركِ الإنساني إلى لوحة… كيف سترسمين ملامحكِ بالألوان؟
ج: سأرسمها بألوان الفجر… بملامح تتفتّح كزهرة. سأدع الضوء يقود الخطوط، لأنني أؤمن أن في داخل كل إنسان شمسًا لا تغيب.

س14: ما الرسالة التي تودّين توجيهها للفنانات الصاعدات في بداية الطريق؟
ج: آمنّ بأن أصواتكنّ تستحق أن تُسمع. امشين بثقة، وامنحن الفن قلوبكنّ، وسيمنحكنّ أجنحة. الطريق جميل… فقط عِشنه بشغف.

هكذا تمضي الحكاية… لا بانتهائها، بل بامتدادها في داخلنا.
حوارٌ لم يكن مجرد أسئلةٍ وأجوبة، بل عبورٌ هادئ إلى عوالم تُرى بالبصيرة قبل البصر، وتُفهم بالإحساس قبل التفسير.
لقد كشفت لنا ضيفتنا أن الفن ليس ترفًا جماليًا، بل ضرورة وجودية، وأن اللوحة ليست صورة… بل موقف، وصدق، وارتجافة روح تبحث عن معناها في هذا العالم.
في مجلس الحكواتي، تبقى مثل هذه اللقاءات أكثر من مجرد محطات… إنها بصمات تظل عالقة في الذاكرة، تُذكّرنا أن الجمال لا يُرى فقط… بل يُعاش.
شكر على لسان الضيفة:
أتقدّم بخالص الشكر والامتنان إلى مجلس الحكواتي، هذا الفضاء الذي يحتفي بالكلمة كما يحتفي بالروح، ويمنح للفن مساحته التي يستحقها من الإصغاء والتقدير.
كان لي شرف هذا اللقاء الذي شعرت فيه أنني لا أجيب عن أسئلة… بل أروي جزءًا من ذاتي في حضرة تقدّر المعنى قبل الشكل.

كل التقدير لهذا المجلس الذي يجعل من الحكاية أثرًا… ومن الحوار ذاكرة لا تُنسى.

Exit mobile version