Site icon صحيفة صدى نيوز إس

بين الضوء والذاكرة: قراءة في الواقعية التأثيرية لدى الفنانة سلوى حجر

بقلم : المهندس محمد توفيق صعابنة .

في زمن تتسارع فيه الصور وتُستهلك المشاهد البصرية بسرعةعالية تأتي أعمال الفنانة سلوى حجر كمساحة هادئة للتأمل حيث لا تسعى إلى الإدهاش بقدر ما تدعو إلى التمهّل إننا أمام تجربة بصرية تنتمي إلى ما يمكن تسميته “الواقعية التأثيرية”، حيث يلتقي التمثيل الدقيق للعالم مع إحساس داخلي عميق بالضوء والذاكرة ينير في عقلك دفعة كبيرة من التأمل والحلم وانت امام لوحاتها التي تلمس فيها جوانب العمق الطبيعي والبعد الاثير الى النفس .

حيث تتنوع لوحات الفنانة سلوى حجر بين مشاهد بحرية وجزر صغيرة وبيئات عمرانية تقليدية ومناظر ريفية تتسم بالسكينة هذا التنوع لا يبدو عشوائيًا بل يعكس وعيًا بصريًا يسعى إلى التقاط روح المكان بدلًا من مجرد توثيقه ففي مجمل اعمالها وفي اللوحة البحرية، حيث جزيرة صغيرة تحتضنها المياه من كل جانب تتحول الطبيعة إلى كيان شبه معزول أقرب إلى فكرة الملاذ أو الهروب من العالم الخارجي الماء هنا لا يُقدَّم كعنصر بصري فقط، بل كوسيط شعوري يعيد تشكيل العلاقة بين المتلقي والمشهد في حميمية لا تخلو منها حالة من التامل الصامت عند النظر الى اللوحة

ولو شئنا ان نتكلم عن التقنية التي تعتمدها الفنانة سلوى حجر على معالجة لونية متوازنة حيث تتناغم الألوان الباردة في البحر مع تدرج الدرجات للمياة الدافئة وللرمال والصخور فالضوء هنا يلعب دور البطولة في هذه الأعمال، إذ يتوزع بنعومة وسلاسة دون حدة مانحًا اللوحات طابعًا زمنيًا غير محدد في زمن لا حدود لة فلا هو صباح صريح ولا غروب كامل بل حالة انتقالية تشبه الذاكرة ذاتها او الحلم حيث تختلط الأزمنة وتذوب الحدود بين اللحظة والذكرى.

واذا انتقلنا الى البيئات المبنية والمشاهد العمرانية، تتغير اللغة البصرية قليلًا، حيث تظهر المباني التقليدية بإضاءة ليلية أو شبه خافتة مع ظلال تحكي قصة تشعر بها ولا تستطيع نطقها مما يضفي عليها طابعًا نوستالجيًا ( بمعنى الحنين والشوق الى الماضي ) بشكل واضحً ههنا لا تكتفي الفنانة برسم المكان بل تعيد بناء إحساسها الشخصي به وتمنحة رائحة الحنين وتعطيه روحا انسانية مستحضرًة تفاصيل قد لا تكون دقيقة واقعيًا، لكنها صادقة شعوريًا هذا التوتر الخفيف بين الواقع والانطباع يمنح العمل عمقًا إضافيًا ويجعلة أقرب إلى استعادة داخلية للمكان بدلًا من كونها مشهدًا خارجيًا.

اما من ناحية التكوين ففي معظم أعمال الفنانة سلوى حجر تعتمد على بناء كلاسيكي نمطي متوازن غالبًا وفق قاعدة مثلا التثليث مع وجود عمق بصري واضح يقود عين المشاهد بروح خفيفة من المقدمة إلى خلفية اللوحة بسلاسة وتمهل وهذا الاختيار يعزز من قابلية التلقي ويجعل العمل مريحًا بصريًا وذا حميمية لا تخالطة خدر الاحساس بل هو انسجام وانغماس في جو مشحون بالعاطفة ولكنه في الوقت نفسه يضع العمل ضمن إطار تقليدي نسبيًا. ومع ذلك، فإن هذا الميل إلى التوازن لا ينتقص من قيمة العمل، بل يعكس رغبة واعية في تثبيت المشهد ضمن حالة من الاستقرار البصري.

أما على مستوى الوجه الخارجي في اللوحات والملمس فتظهر ضربات الفرشاة بشكل مدروس وعناية فائقة فهي ليست خشنة إلى حد التعبير الصاخب ولا ناعمة إلى درجة التمويه الكامل هذا التوازن يمنح اللوحات حياة داخلية، خاصة في رسم الماء والأشجار حيث نشعر بحركة خفيفة رغم سكون المشهد، وكأن الزمن متوقف لكنه لا يزال يتنفس وينبض حياة وبرغم القوة البصرية الواضحة في اعمال الفنانة سلوى حجر يمكن تسجيل ملاحظة نقدية تتعلق بغياب العنصر الإنساني ما يجعل اللوحات أقرب إلى فضاءات خالية من السرد المباشر ولكن هذا الغياب مقصودًا لتعزيز الإحساس بالعزلة والتأمل وروحية المكان والانسجام الروحي في اللوحات لكنه في الوقت ذاته يقلل من إمكانية بناء قصة بصرية أكثر وضوحًا ويترك المتلقي في حالة تأمل مفتوحة دون مرجعية سردية محددة بحيث يمكن للمتلقي ان يخلق عالما مختلفا لا يراة الا هو وهذة جمالية قلما تجدها في اعمال فنان اخر في المحصلة النهائية لا تقدم أعمال الفنانة سلوى حجر مجرد تمثيل بصري للطبيعة أو المكان بل تطرح تجربة حسية قائمة على التباطؤ وإعادة الاكتشاف حيث يتحول المشهد من صورة خارجية إلى حالة داخلية يعيشها المتلقي إن التوازن الذي يحققه الفنان بين البناء الواقعي والمعالجة الانطباعية يمنح اللوحات طابعًا هادئًا لكنه عميق ويؤكد حضور رؤية بصرية واعية لا تعتمد على المباشرة أو الزخرفة الزائدة، بل على الاقتصاد التعبيري والصدق الشعوري ومشاركة للمتلقي في الاحساس.

ومن هنا فلعل النظرة التي يمكن النظر من خلالها الى تجربة الفنانة سلوى حجر بوصفها انعكاسًا لفنان يمتلك حسًا بصريًا ناضجًا وقدرة حقيقية على قراءة الضوء وبناء المشهد ضمن منطق داخلي متماسك. فبدل أن يسعى إلى إبهار العين، ينجح في ملامسة الإحساس واثارة الحلم والتامل وبدل أن يفرض المعنى يتركه يتشكل بهدوء داخل وعي المتلقي إن هذه القدرة على تحويل المشهد البسيط إلى تجربة تأملية متكاملة تكشف عن وعي فني يتجاوز حدود المهارة التقنية إلى إدراك أعمق لطبيعة الصورة ودورها ومشاركة هذا الاحساس مع المتلقي وابهارة بالوقوف طويلا امام اعمالها وعليه، فإن ما تقدمه لوحات الفنانة سلوى حجر لا يقتصر على قيمتها الجمالية فحسب، بل يمتد ليشكّل موقفًا بصريًا واضحًا، يثمّن الصمت والضوء، وعمق التجربة الإنسانية في علاقتها بالمكان وهو ما يؤكد أننا أمام فنانة لا توثّق المشهد بقدر ما تعيد صياغته وتمنحه حياة تتجاوز حدوده المرئية نحو فضاء أوسع من الإحساس والمعنى في تجربة فنية متماسكة وقابلة للنمو والتطور ضمن المشهد التشكيلي المعاصر متمنيا لها التقدم وروية المزيد من اعمالها وابداعاتها

Eng.saabneh_1@yahoo.com

Exit mobile version