د / عبدالعزيز الرميلي النعمي – جازان
التسامح ليس تنازلاً كما يظن البعض ولا ضعفاً يلوذ به العاجزون بل هو مقامٌ رفيع لا يبلغه إلا من اتسعت روحه ونضج وعيه وارتقت نفسه فوق صغائر الأذى فليس أشدَّ على الإنسان من أن يملك حقَّ الرد، ثم يختار العفو لأن العفو في جوهره انتصارٌ على النفس قبل أن يكون إحساناً إلى الآخر
نحن لا نُسامح لأن الآخرين دائماً يستحقون التسامح بل لأن قلوبنا تستحق السلام فالحقد نارٌ صامتة تبدأ في صدورنا قبل أن تصل إلى غيرنا والضغينة حملٌ ثقيل لا يشعر بثقله إلا من جرّه زمناً أما التسامح فهو ذلك الباب الذي نفتحُه لأنفسنا لنخرج من سجن الألم إلى فضاء الطمأنينة
كم من علاقةٍ أنقذها التسامح وكم من قلبٍ أعاده العفو إلى الحياة وكم من إنسانٍ كان ينتظر كلمة صفحٍ تعيده إلى إنسانيته بعد أن أرهقته أخطاؤه فالبشر بطبيعتهم يخطئون وليس من النضج أن نُحصي الزلات بل أن نفهم هشاشة الإنسان وضعفه وأن ندرك أن الحياة أقصر من أن تُستهلك في الخصام
التسامح لا يعني أن ننسى ولا أن نسمح بتكرار الأذى ولكنه يعني أن نتحرر من سلطة الجرح وألا نجعل أخطاء الآخرين سجاناً لأرواحنا
هو قرارٌ نبيل بأن نمضي خفافاً بلا أوزار الكراهية ولا أثقال الانتقام
وفي نهاية المطاف يبقى الإنسان العظيم ليس بمن غلب الناس بل بمن غلب نفسه حين اشتدّ غضبها وصفح حين كان قادراً على العقاب وأحبّ الحياة بقلبٍ لم تفسده الجراح.
فالتسامح في حقيقته ليس هديةً نقدمها للآخرين بل نجاةٌ نهديها لأنفسنا

