ميساء عقيل – جازان
هناك آباء يمرّون في حياة أبنائهم كمرحلة وهناك آباء يصبحون وطنًا كاملًا لا يغادر الذاكرة مهما غابوا وأبي رحمه الله كان وطنًا من الطمأنينةوظلًا من الحنان ورجلًا لم أعرف بعده معنى الأمان كما عرفته معه
كان أبي لا يحب أن يراني متعبة وكأن التعب إن اقترب مني أصابه هو أولًا كان يقرأ الإرهاق في ملامحي قبل أن أتحدث ويشعر بالحزن إن حملت الحياة فوق كتفي شيئًا أكبر من قلبي لا يهنأ له بال حتى يطمئن أنني بخير وكأن راحته مؤجلة إلى أن يرانا جميعًا بخير وسلام.
لم يكن أبي كثير الكلام لكنه كان كثير الشعور. حضوره وحده كان يكفي ليبدد خوف الأيام وكانت نظرته تختصر ألف كلمة طمأنينة كان الأب الذي يمنح أبناءه الشعور بالأمان دون أن يطلب منهم شيئًاوالمعلم الذي يزرع القيم فينا بصمته وأخلاقه قبل حديثه.
أبي لم يكن مجرد رجل طيب بل كان قلبًا نقيًا يسير على الأرض يحمل من الرحمة ما يجعلنا نشعر أن الدنيا مهما قست فإن هناك يدًا خفية تحاول أن تحمينا من قسوتها كان قائد البيت وسنده وكان الشخص الذي نستند عليه كلما أثقلتنا الحياة فإذا مال بنا الطريق وجدناه ثابتًا كالجبل.
ورغم رحيله ما زلت أشعر أن بعض الأرواح لا تغادر تمامًا فما زالت دعواته تحيط بنا، وما زالت ملامحه تعيش في تفاصيلنا الصغيرة وما زالت كلماته تسكن القلب كلما ضاقت الأيام. رحم الله أبي فقد كان من الرجال الذين لا يُعوّضون ومن النعم التي لا يعرف الإنسان عظمتها إلا حين تغيب.
رحمك الله يا أبي…
فقد كنت الحنان الذي لا يشبهه أحد والظل الذي ما زلت أبحث عنه في زحام الحياة

