Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حوار فني عن زكاة العلم في الفن 

 

بقلم -عبير بعلوشه

الفنان في بداياته لا يبحث دائمًا عن الشهرة أو المكاسب، بل يبحث غالبًا عن من يؤمن به، وعن كلمة تشجعه، وعن يد تدفعه للاستمرار حين تتكاثر الشكوك والعقبات. وكم من موهبة اختفت لأنها لم تجد الاحتواء، وكم من فنان استمر فقط لأنه وجد شخصًا قال له يومًا: “أكمل… لديك شيء يستحق أن يُرى.

الفن الحقيقي لا يقف عند حدود اللوحة، ولا ينتهي بمجرد اكتمال العمل الفني أو التصفيق أمامه. فهناك نوع آخر من الفن أكثر عمقًا وأبقى أثرًا، يتمثل في قدرة الفنان على منح ما تعلمه للآخرين، وفتح الطريق أمام المواهب الجديدة لتجد مكانها بثقة وكرامة.

وكما أن للمال زكاة، فإن للعلم والتجربة والخبرة زكاة أيضًا، وزكاتها أن تُمنح لمن يحتاجها، وأن تتحول الرحلة الطويلة التي عاشها الفنان إلى نور يهدي من يأتي بعده. فالفنان الذي يحتفظ بكل ما يعرفه لنفسه قد يحقق نجاحًا فرديًا، لكنه لن يصنع حركة فنية ممتدة، بينما الفنان الذي يشارك خبرته ويحتضن الموهوبين يترك أثرًا يتجاوز اسمه وأعماله

المشهد الفني لا يزدهر بالمنافسة القائمة على الإقصاء، بل بالتكامل بين الأجيال، حين يدرك الفنان الكبير أن نجاح الموهبة الجديدة لا ينتقص منه، بل يضيف إلى إرثه الإنساني والفني. فالقيمة الحقيقية للفنان لا تُقاس فقط بعدد المعارض أو الجوائز، وإنما بما يتركه من أثر في الناس، وبعدد الذين ساعدهم على اكتشاف أصواتهم الفنية الخاصة.

وفي هذا السياق، عبّر عدد من الفنانين المخضرمين عن رؤيتهم لمعنى الدعم الفني وأهمية احتواء المواهب الجديدة.

يقول الفنان صالح النقيدان عند سؤاله:

«لو عاد بكم الزمن إلى بداياتكم، ما نوع الدعم الذي كنتم تتمنون أن تجدوه من الفنانين الكبار؟»

_“كنا في الماضي نتمنى فقط أن نجد مساحة للتعبير عن ما نحسه دون مضايقات من الذين حولنا، والباقي يهون. كنا محاربين لأن الرسم في ذلك الوقت كان شيئًا غير مرغوب فيه، إلى أن تنوّر المجتمع وعرف أن الرسم هواية ويمكن ضمها إلى باقي الهوايات مثل الشعر والأدب والغناء، وبعدها صرنا نسمع ألوانًا من المديح ووصلنا إلى ما وصلنا إليه.”

اما زكاة العلم فهي من ابرز الاشياء التي لا بد ان يقدمها الفنان تجاه منهم بحاجة اليها من المواهب الشابة التي تتطلع إلى تطوير مهاراتها وان وتسير إلى الامام نحو إكمال مسيرته الفنية وذلك بالانخراط في دورات من سبقوهم في هذا المجال واخذ نصائح الفنانين الذين لهم باع في هذا المجال …

ويؤكد الفنان زهير مليباري عند سؤاله:

«هل تعتقدون أن الفن رسالة فردية فقط، أم مسؤولية جماعية لبناء الذائقة والثقافة والجمال؟»

_“الفن هو أحد مجالات الفكر وثقافة المجتمع للتعبير عن حضارته وما وصل إليه من رقي وتقدم وازدهار ثقافي وفكري وعلمي وعملي، والفنان والمجتمع مكملان بعضهم البعض، لكلٍ دوره وعطاؤه.”

أما الفنان محمد العبلان فكان له حديث مؤثر عند سؤاله:

«ما الرسالة التي توجهونها للفنانين الكبار تجاه المواهب الصاعدة التي تبحث فقط عن فرصة وثقة؟»

_“أؤمن أن الفنان الكبير لا يصبح كبيرًا حين يصل إلى القمة، بل حين يستطيع أن يرى ما كان عليه في بداياته داخل عيون الموهوبين الجدد.

فكل فنان عظيم كان يومًا ما موهبة صغيرة تبحث عن فرصة، وعن يد تؤمن بها، وعن صوت يقول لها: استمر.

كل موهبة صاعدة تحمل داخلها خوفها وعزلتها وقلقها الخاص، ذلك القلق الذي أسمّيه «القلق الإيجابي» لأنه القلق الذي يدفع الإنسان للبحث والتجربة والسقوط ثم النهوض من جديد في طريق النجاح.

بعض الفنانين يظنون أن دعم المواهب الجديدة قد يُنقص من حضورهم أو يهدد مكانتهم، لكن الحقيقة الأعمق أن الفن الذي يخاف من ولادة فن جديد… هو فن بدأ يموت بالفعل.

لأن الفن الحقيقي لا يقوم على الاحتكار، بل على الامتداد… أن تترك أثرك في الإنسان قبل أن تتركه في اللوحة.

اماً رأي الفنان خالد الزهيري عندما سالته

(كيف نصنع بيئة فنية آمنة يشعر فيها الفنان الجديد في الساحة أن نجاحه مرحّب به وليس محاربًا؟) كان جوابه:

_نصنع بيئة فنية آمنة عندما نؤمن أن نجاح أي فنان جديد لا ينتقص من أحد، بل يضيف للساحة جمالًا وتنوعًا أكبر.

الدعم، التشجيع، النقد الراقي، وإتاحة الفرص بعدالة هي أساس احتواء المواهب الجديدة.

الفنان المبتدئ يحتاج كلمة تحفزه وثقة تدفعه للاستمرار، لا إحباطًا يطفئ شغفه.

وعندما يتحول التنافس إلى احترام وتقدير متبادل، تصبح الساحة الفنية أكثر رقيًا وإبداعًا للجميع.

أخيرًا عن نفسي استفدت جدا من حواري

فأنا لا ابحث عن إجابات سطحية، بل عن التجربة الإنسانية والفكرية خلف الفنان، وهذا ما يجعل الحوارات الفنية عميقة وقريبة من القارئ.

الفنانون المخضرمون تحديدًا يحملون ذاكرة كاملة للمشهد الفني؛ عاشوا التحولات الاجتماعية، وواجهوا الرفض والدعم، ومرّوا بمراحل تكوين طويلة، لذلك تكون آراؤهم مليئة بالتجربة لا بالتنظير فقط. أحيانًا جملة واحدة من فنان كبير تختصر سنوات من الخبرة والمعاناة والتأمل

Exit mobile version