Site icon صحيفة صدى نيوز إس

فيزياء الصعود وسيكولوجيا السقوط: جدلية “التكليف” و”فن التسويق” في ميزان الاستحقاق

 

بقلم: أحمد علي بكري

ليست المناصب تاجًا يوضع فوق الرؤوس بقدر ما هي أثقال تُلقى فوق الأكتاف. وهذه الحقيقة يحاول كثير من الناس الهروب منها لأنهم ينظرون إلى “بريق المنصب” لا إلى “تكلفة البقاء فيه”. فكل إنسان يرى الكرسي من الخارج يظنه امتيازًا خالصًا، لكنه لا يرى ما خلف الجدران من ضغط، ومراقبة، واستنزاف، وحرب صامتة لا تهدأ. ولهذا كانت المناصب في حقيقتها “تكليفًا قبل أن تكون تشريفًا”، لأن الإنسان كلما ارتفع اقترب من مركز الضوء، وكلما اقترب من الضوء أصبحت عيوبه أكثر وضوحًا، وأصبحت حركته محسوبة، وكلمته موزونة، وسقطته مدوية.

الإنسان العادي قد يخطئ عشرات المرات ولا يلتفت إليه أحد، أما صاحب المنصب فإن هفوة صغيرة منه تتحول إلى حديث المجالس، لأن الارتفاع بطبيعته يعرّض صاحبه للمجهر. وهذه ليست قسوة اجتماعية فحسب، بل قانون وجودي؛ فالقمم دائمًا مكشوفة، ولا يمكن لمن يقف فوقها أن يختبئ طويلًا. ولذلك فإن الاقتراب من “الشمس” يحرق الضعفاء بسرعة، لأن الحرارة هناك لا تحتمل الأقنعة طويلًا.

ومن هنا نفهم لماذا كان كثير من الناس يتمنون الوصول، لكن قليلًا منهم فقط يستطيعون البقاء. فالصعود لا يحتاج فقط إلى طموح، بل يحتاج إلى قدرة على الاحتمال. ولهذا فإن المنصب لا يختبر ذكاء الإنسان بقدر ما يختبر توازنه النفسي وأخلاقه وقدرته على إدارة الضغط والناس والعداوات والطموحات المتشابكة.

ولا يختلف الأمر كثيرًا مع الألقاب، سواء كانت ألقابًا “نَسَبِيَّة” أو “عملية”. فالناس في المجتمعات بطبيعتهم ينظرون إلى النسب والمكانة والاسم العائلي بوصفها قيمة رمزية، لكن الخطأ الذي يقع فيه البعض هو اعتقادهم أن النسب وحده يكفي لصناعة الهيبة. والحقيقة أن النسب إن لم يحمله صاحبه بأخلاقه تحوّل من مصدر فخر إلى مصدر مذمة. ولهذا كانت الحكمة القديمة العميقة التي كان يرددها الأجداد: “الشريف من شرف نفسه”.

هذه العبارة ليست مجرد مثل شعبي عابر، بل فلسفة اجتماعية كاملة. فهي تهدم الوهم القائل إن الشرف يُورث تلقائيًا، وتعيد تعريف القيمة الإنسانية على أساس السلوك لا الدم. فالإنسان قد يولد في بيت كريم ثم يهدم إرث قرون كاملة بأفعاله، وقد يولد بسيطًا ثم يرفع نفسه بأخلاقه حتى يصبح اسمه أثقل من أسماء أصحاب الحسب والنسب.

إن اجتماع النسب الكريم، والمنصب العالي، والمال، والجاه، مع الخلق الرفيع، يصنع شخصية ذات قيمة حقيقية، لكن الشرط الجوهري هنا هو أن يسبق ذلك كله “التواضع”، وليس المقصود هنا التواضع المريض الذي يتحول إلى “خنوع”. فهناك فرق هائل بين الإنسان المتواضع والإنسان المكسور. التواضع قوة ووعي واتزان، أما الخنوع فهو إلغاء للذات وهروب من المواجهة. المتواضع يعرف قدر نفسه فلا يتعالى، أما الخانع فهو يتنازل عن كرامته طلبًا للقبول أو خوفًا من الرفض.

ولهذا فإن أعظم الشخصيات ليست تلك التي تملك السلطة فقط، بل تلك التي تستطيع حمل السلطة دون أن تتحول إلى طاغية، وتستطيع حمل المال دون أن تتحول إلى عبد للمادة، وتستطيع حمل النسب دون أن تتعامل مع الناس باستعلاء أجوف. هنا فقط تصبح المكانة “قيمة ثابتة”، لا “مكانة لحظية” تزول بزوال السبب.

فالمال وحده لا يصنع الاحترام، والمنصب وحده لا يصنع الهيبة، والنسب وحده لا يصنع المجد. كلها أدوات مؤقتة قد ترفع الإنسان لحظة، لكنها لا تضمن له الخلود الاجتماعي ما لم تمتزج بالأخلاق. ولهذا ترى بعض الناس يسقطون فور سقوط مناصبهم، لأن الناس في الحقيقة لم تكن تحترمهم هم، بل كانت تحترم الكرسي الذي يجلسون عليه. وما إن يزول الكرسي حتى ينكشف الفراغ الحقيقي للشخصية.

وفي المقابل، هناك من تبقى قيمتهم حتى بعد ذهاب المال والمنصب والنفوذ، لأن ما احترمه الناس فيهم لم يكن السلطة بل الإنسان نفسه.

لكن المشكلة الكبرى لا تكمن فقط في أصحاب المناصب، بل في سيكولوجيا الحقد لدى بعض من ينظرون إليهم. فهناك فئة لا تستطيع تقبل فكرة أن غيرها يمتلك شيئًا لا تملكه هي؛ مالًا، أو منصبًا، أو نسبًا، أو نفوذًا. وحين تعجز عن الوصول تبدأ بمحاولة تحطيم قيمة ما عجزت عن امتلاكه. فتراها تستنقص الغني لأنه غني، وصاحب النسب لأنه ذو نسب، وصاحب المنصب لأنه صاحب منصب، وكأنها تريد إقناع نفسها أن المشكلة ليست فيها بل في العالم كله.

هذا النوع من البشر لا يمارس نقدًا حقيقيًا، بل يمارس “تنفيسًا نفسيًا”. إنه يحاول الانتقام من شعوره الداخلي بالنقص عبر التقليل من قيمة الآخرين. ولذلك كثيرًا ما تسمع عبارات من نوع: “فلان لا يستحق”، “فلان وصل بالتملق”، “فلان حصل عليها بالواسطة”، وكأن المتحدث قد نُصّب إلهًا يوزع الاستحقاق والأرزاق على البشر.

وهنا تظهر المعضلة الفلسفية العميقة: الإنسان الذي يعترض على كل نجاح لا يدرك أنه ضمنيًا يعترض على شبكة كاملة من الأنظمة والمعايير والمؤسسات التي سمحت لهذا الشخص بالصعود. فإذا افترضنا جدلًا أن شخصًا ما وصل إلى منصب عالٍ عبر “التملق” أو حتى عبر ما يسميه البعض “الشحاذة”، فنحن هنا نصطدم بعدة معضلات.

أولها أنك بذلك تشكك في الدولة نفسها، وفي المؤسسات، وفي القوانين، وفي أنظمة التقييم، وكأن كل هذه البنية مجرد لعبة يمكن لأي متملق اختراقها بسهولة. وهذا تصور ساذج عن طريقة عمل المؤسسات الكبرى، لأن المناصب العليا ليست مجرد باب يُفتح بكلمة لطيفة أو ابتسامة مصطنعة، بل هي منظومات مراقبة واختبار وتقييم مستمر.

وحتى لو تجاوزنا هذه النقطة وافترضنا أن شخصًا ما استطاع خداع الجميع والوصول فعلًا، فهنا تظهر “عين الرقابة”. فالمناصب العليا ليست مناطق آمنة للفاشلين، بل ساحات كشف يومي. كل قرار هناك تحت المجهر، وكل خطأ مكلف، وكل ضعف قابل للانفجار. ولهذا فإن غير الجدير غالبًا لا يسقط بسبب أعدائه، بل يسقط بسبب ثقله الداخلي الذي لا يستطيع حمله طويلًا.

فالاقتراب من الشمس (القيادة العليا) ليس امتيازًا فقط، بل اختبار قاسٍ. الشمس لا تجامل أحدًا، إما أن تكون قادرًا على تحمل حرارتها أو تحترق.

ثم تأتي المفارقة الأكثر قسوة للمنتقدين: إذا كان الوصول مجرد “تملق” كما تزعمون، فلماذا لم تتعلموا هذا “التملق” وتسبقوه؟ لماذا بقيتم في أماكنكم؟ هنا يبدأ كثيرون بالهروب من الإجابة لأنهم لا يريدون الاعتراف بأن ما يسمونه “تملقًا” قد يكون في كثير من الأحيان “فن تعامل” و”قدرة على التسويق للنفس”.

والحقيقة التي يرفضها كثيرون أن القيادة ليست قائمة على المعرفة التقنية وحدها. المدير الناجح ليس مطلوبًا منه أن يكون أعلم شخص في كل تخصص، وإلا لتحولت الإدارة إلى عمل فردي مستحيل. القائد الحقيقي هو من يمتلك القدرة على إدارة العقول والكفاءات وتوظيف المهارات في الاتجاه الصحيح. إنه لا يحتاج أن يكون أفضل مهندس أو أفضل محاسب أو أفضل محلل، بل يحتاج أن يعرف كيف يدير هؤلاء جميعًا.

وهنا تظهر قيمة “فن التسويق للنفس”. فالتسويق ليس دائمًا خداعًا كما يتوهم البعض، بل هو القدرة على إيصال قيمتك للآخرين. والإنسان الذي يعجز عن تقديم نفسه وإقناع الآخرين بقدراته سيظل غالبًا مجهولًا مهما امتلك من مهارات. فالعالم لا يكافئ الكفاءة الصامتة دائمًا، بل يكافئ من يعرف كيف يحول كفاءته إلى حضور وتأثير.

ولهذا فإن كثيرًا ممن يهاجمون الناجحين يقعون في تناقض مرير؛ فهم يريدون الوصول لكنهم يحتقرون الأدوات الاجتماعية التي تصنع الوصول. يريدون التأثير لكنهم يرفضون تعلم فن التأثير. يريدون القيادة لكنهم ينظرون بازدراء إلى مهارات العلاقات والإقناع والتفاوض، مع أن هذه المهارات نفسها هي العمود الفقري لأي قيادة ناجحة.

وفي النهاية، فإن العالم ليس مدينة فاضلة تُوزع فيها المناصب فقط على الأتقياء أو العباقرة، بل هو ساحة معقدة تتداخل فيها الكفاءة مع الحضور، والذكاء مع العلاقات، والمهارة مع القدرة على إدارة الصورة والانطباع. وهذه حقيقة قد تكون قاسية، لكنها أكثر صدقًا من الخطابات الحالمة التي تحاول اختزال الحياة في شعارات أخلاقية سطحية.

فالمنصب ليس جائزة أخلاقية، بل اختبار وجودي. والنسب ليس ضمانة خلود، بل عبء إضافي على صاحبه. والمال ليس قيمة بحد ذاته، بل أداة تكشف حقيقة الإنسان أكثر مما تخفيها. أما الأخلاق، فهي الشيء الوحيد القادر على تحويل كل هذه العناصر من مظاهر مؤقتة إلى قيمة إنسانية حقيقية تبقى حتى بعد انطفاء الضوء.

Exit mobile version