Site icon صحيفة صدى نيوز إس

أساطير البحر من جازان إلى العالم: حين تحوّل المجهول إلى كائنات تسكن الأمواج

 

بقلم أحمد علي بكري

منذ أن وقف الإنسان الأول على الساحل وهو ينظر إلى الأفق الممتد بلا نهاية، وُلد الخوف. البحر لم يكن مجرد ماء، بل مساحة هائلة من الغموض، تختفي فيها السفن، وتخرج منها العواصف، وتُسمع في أعماقها أصوات لا تفسير لها. ولهذا لم تكن الأساطير البحرية مجرد قصص للتسلية، بل كانت محاولة بشرية لفهم المجهول، وتفسير الكوارث، وإعطاء شكل للكائنات التي اعتقد الإنسان أنها تختبئ تحت الأمواج. وعندما نتأمل الموروث البحري العربي، خصوصًا في سواحل البحر الأحمر والخليج العربي، نجد تشابهًا مذهلًا مع أساطير اليونان واليابان والصين والإسكندناف، وكأن البشر في كل الحضارات رأوا الكوابيس نفسها لكنهم أطلقوا عليها أسماء مختلفة.

في الجزيرة العربية، وخاصة في جازان وفرسان وسواحل البحر الأحمر، ارتبط الناس بالبحر منذ قرون طويلة. خرجت السفن الشراعية من موانئ جيزان نحو اليمن والهند وزنجبار وشرق إفريقيا، وحمل البحارة معهم البضائع والقصص والخرافات والخوف. وفي الليالي الطويلة فوق سطح السنابيك الخشبية، كانت الحكايات تُروى عن مخلوقات تظهر في الضباب، وأصوات تأتي من عرض البحر، وسفن تختفي بلا أثر، وجزر تتحرك لأنها في الحقيقة ليست جزرًا بل حيتان عملاقة نائمة.

ومن أشهر الكائنات التي ظهرت في الموروث البحري العربي ما عُرف بالجان البحري. كان البحارة في الخليج والبحر الأحمر يعتقدون أن هناك مخلوقات غير مرئية تسكن الأعماق والجزر المهجورة والشعاب المرجانية، وتظهر أحيانًا على هيئة بشر أو أصوات أو ظلال. وكان يُقال إن هذه الكائنات تقلد أصوات الناس، وتنادي البحارة بأسمائهم، وتقود السفن نحو الصخور والتيارات الخطيرة. وهذه الفكرة لا تختلف كثيرًا عن أسطورة السيرينات في الميثولوجيا الإغريقية، وهي مخلوقات نصفها امرأة ونصفها طائر أو سمكة، تغني بصوت جميل يجذب البحارة حتى ترتطم سفنهم بالصخور. كما نجد شبيهًا لها في اليابان مع كائنات الكابّا، وفي أوروبا الشمالية مع أرواح الماء المعروفة باسم نيكس أو روسالكا. الاختلاف الأساسي أن العرب ربطوا هذه الكائنات بعالم الجن، بينما ربطتها الحضارات الوثنية بالآلهة والأرواح المقدسة.

ومن أكثر الشخصيات البحرية حضورًا في الذاكرة الشعبية العربية “عروس البحر”. هذه الشخصية لم تكن دائمًا جميلة كما تصوّرها القصص الحديثة، بل كانت في كثير من الروايات نذير شؤم وكائنًا مرعبًا. كان بعض البحارة في البحر الأحمر يروون أنهم شاهدوا امرأة طويلة الشعر تظهر فوق الصخور أثناء الليل، ثم تختفي مع صوت الأمواج. وفي بعض الحكايات كانت عروس البحر تخطف الرجال أو تقود السفن نحو الغرق. وتتشابه هذه الشخصية مع حوريات البحر الأوروبية والنينغيو اليابانية ومامي واتا الإفريقية، لكن النسخة العربية غالبًا أكثر ظلامًا ورعبًا وأقل رومانسية.

أما في جازان تحديدًا فقد ظهرت حكاية السعلوة البحرية، وهي من أشهر الأساطير الساحلية في الجنوب السعودي. كانت توصف بأنها امرأة شاحبة الوجه طويلة الشعر تظهر قرب الشواطئ أو على الصخور البعيدة أثناء الليل، وتطلق أصوات بكاء أو غناء. وكان يُقال إن الصياد إذا تبع صوتها ضاع في البحر أو تحطمت سفينته. وفي بعض الروايات كانت تُشاهد بعينين متوهجتين أو بأقدام حيوان. هذه الصورة قريبة جدًا من السيرينات الإغريقية ومن حوريات البحر الأوروبية، لكنها تحمل الطابع العربي المرتبط بالجن والمخلوقات الصحراوية المخيفة.

ومن القصص المتداولة أيضًا في سواحل جازان وفرسان ما عُرف بمركب الجن، وهي سفينة شبحية تظهر ليلًا في عرض البحر بلا طاقم. يقال إن البحارة كانوا يشاهدون فوانيسها من بعيد، وعندما يقتربون منها تختفي وسط الضباب أو تقودهم نحو مناطق خطيرة. هذه الأسطورة تشبه بشكل واضح أسطورة الهولندي الطائر في أوروبا، وهي سفينة ملعونة محكوم عليها بالإبحار إلى الأبد. كما توجد قصص مشابهة في اليابان والصين عن سفن الأشباح التي تحمل أرواح الموتى.

ومن أكثر الكائنات إثارة في التراث العربي الطائر الرخ الذي ظهر في حكايات السندباد البحري الواردة في ألف ليلة وليلة. كان الرخ طائرًا عملاقًا بحجم جبل، قادرًا على حمل الفيلة وتحطيم السفن. وقد يكون أصل الأسطورة مشاهدات حقيقية لطيور ضخمة أو مبالغات البحارة أثناء نقل القصص. والمثير أن معظم الحضارات تمتلك طائرًا أسطوريًا مشابهًا، ففي الهند يوجد غارودا، وفي فارس يوجد السيمرغ، وعند سكان أميركا الأصليين يوجد طائر الرعد العملاق. جميعها كائنات سماوية تمثل القوة الهائلة والسيطرة على العالم العلوي.

كما حمل التراث البحري العربي تصورات عن مخلوقات بحرية هائلة قادرة على ابتلاع السفن. بعض البحارة كانوا يتحدثون عن أخطبوط عملاق أو دابة بحرية تظهر أثناء العواصف وتسحب المراكب إلى الأعماق. وكانت هذه الكائنات تُسمى أحيانًا الهول أو شيطان البحر. وهذه القصص تكاد تتطابق مع أسطورة الكراكن الإسكندنافية، وهو وحش بحري ضخم يشبه الحبار العملاق ويقال إنه قادر على تدمير السفن. ويعتقد بعض الباحثين أن أصل هذه الأساطير يعود إلى مشاهدات حقيقية للحبار العملاق الذي يعيش في أعماق المحيطات.

وفي بعض المرويات الإسلامية الشعبية القديمة ظهر اسم “بهموت”، وهو حوت أو سمكة كونية هائلة يُعتقد أنها تحمل الأرض أو تستند إليها البحار. وهذه الفكرة تتكرر عالميًا بصورة مدهشة. ففي الأساطير النوردية يوجد يورمونغاند، الثعبان البحري الذي يطوق العالم، وفي الميثولوجيا العبرية يوجد ليفياثان، وفي الهند توجد السلحفاة الكونية التي تحمل العالم فوق ظهرها. ويكشف هذا التشابه كيف حاول الإنسان القديم فهم الكون عبر أعظم قوة يعرفها: البحر.

 

ومن أكثر القصص شهرة في التراث العربي قصة الجزيرة الحية في رحلات السندباد البحري. ففي إحدى الرحلات يرسو البحارة على جزيرة يشعلون فوقها النار، ثم يكتشفون أنها في الحقيقة حوت عملاق نائم يبدأ بالحركة فجأة. هذه الفكرة نفسها موجودة في الأساطير الإسكندنافية عن مخلوق هافغوفا، كما ظهرت في قصص أوروبية مسيحية قديمة عن جزر تتحرك لأنها مخلوقات بحرية هائلة. ويبدو أن هذه الأساطير وُلدت من رؤية الحيتان الضخمة أثناء سكونها قرب سطح الماء.

وفي جازان وفرسان ظهرت أيضًا حكايات عن جزر مسكونة بالجن. كان بعض البحارة يتحدثون عن جزر يسمعون فيها أصواتًا غريبة أثناء الليل أو يرون فيها أضواء تختفي فجأة. وكانوا يعتقدون أن الجن يسكن هذه الأماكن المهجورة. وهذه القصص تشبه حكايات الجزر المسحورة في ألف ليلة وليلة، كما تشبه جزيرة أفالون في الأساطير السلتية وجزر الأرواح في الفلكلور الياباني.

ولم تكن المخاوف البحرية مقتصرة على الكائنات فقط، بل شملت البحر نفسه. فقد أطلق البحارة العرب أسماء مرعبة على بعض المناطق البحرية مثل بحر الظلمات وبلعوم البحر وعين البحر. وكانت هذه المناطق تُعرف بالتيارات القوية والدوامات الخطيرة واختفاء السفن. وهذه الفكرة تتكرر في الحضارات الأخرى مع دوامة شاربديس في الأساطير الإغريقية، ودوامات المايلستروم في الشمال الأوروبي، وبحر الشياطين قرب اليابان. والواقع أن الإنسان القديم عندما كان يعجز عن تفسير ظاهرة طبيعية خطيرة كان يمنحها بعدًا أسطوريًا.

كما انتشرت حكايات المدن الغارقة في كثير من مناطق العالم العربي. ففي بعض سواحل البحر الأحمر والخليج العربي كان الناس يروون قصصًا عن قرى وموانئ ابتلعها البحر بسبب الظلم أو الطمع أو غضب الله. وهذه الفكرة موجودة عالميًا أيضًا، بدءًا من أتلانتس الإغريقية وصولًا إلى ليونيس البريطانية ودواركا الهندية. ومن المحتمل أن بعض هذه القصص استندت إلى أحداث حقيقية مثل الزلازل البحرية وارتفاع مستوى المياه والعواصف التي دمرت المدن الساحلية.

واللافت أن كل هذه الأساطير رغم اختلاف شعوبها تحمل عناصر متكررة بصورة تكاد تكون عالمية. هناك دائمًا امرأة بحرية تغوي البحارة، ووحش عملاق يبتلع السفن، وجزيرة تتحرك لأنها كائن حي، وسفينة شبحية تظهر وسط الضباب، ومدينة غرقت تحت الماء، ومنطقة ملعونة يختفي فيها الناس. وهذا التشابه ليس صدفة، بل نتيجة التجربة الإنسانية المشتركة أمام البحر. فالإنسان في كل مكان واجه الظلام نفسه، والعواصف نفسها، والاختفاء الغامض نفسه، فأنتج الخيال نفسه تقريبًا.

البحر قبل العصر الحديث كان عالمًا خارج سيطرة البشر بالكامل. لم يكن هناك رادار أو أقمار صناعية أو أجهزة اتصال. كان البحار يخرج في رحلة قد تستمر شهورًا، وربما لا يعود أبدًا. وكانت العواصف قادرة على محو سفينة كاملة في دقائق. وكان الضباب يجعل البحر يبدو بلا نهاية. ولهذا تحولت الأمواج إلى مسرح للأساطير، وتحولت أصوات الحيتان والرياح إلى نداءات جن، وتحولت الكائنات الغريبة التي يشاهدها البحارة إلى وحوش خرافية.

وفي جازان تحديدًا ساعد الموقع الجغرافي على ازدهار هذا الموروث. فالبحر الأحمر بطبيعته بحر معقد مليء بالشعاب المرجانية والتيارات القوية والجزر الصغيرة والضباب الليلي، كما أن أهل المنطقة كانوا بحارة وغواصين وتجارًا يسافرون لمسافات طويلة. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول ليالي البحر الطويلة إلى مصنع هائل للحكايات والأساطير.

واليوم، رغم التقدم العلمي واختفاء كثير من الخرافات، ما زالت هذه القصص حية في الذاكرة الشعبية. لا لأنها حقائق علمية، بل لأنها جزء من خوف الإنسان القديم، وجزء من محاولته لفهم عالم أكبر منه بكثير. فالأسطورة البحرية لم تكن مجرد كذبة، بل كانت لغة بشرية لفهم المجهول عندما كان البحر يبدو وكأنه كائن حي يراقب السفن ويبتلع من يشاء.

موسوعة مختصرة للأساطير البحرية المذكورة ومقابلاتها العالمية

السعلوة البحرية

في سواحل جازان والبحر الأحمر وُصفت السعلوة البحرية بأنها امرأة مرعبة تظهر ليلًا قرب الشواطئ أو الصخور وتطلق أصواتًا غامضة تجذب الصيادين نحو الهلاك. كانت تُشاهد أحيانًا بشعر طويل وعينين متوهجتين أو بأقدام حيوان. وهي تقابل في الحضارات الأخرى السيرينات الإغريقية وحوريات البحر الأوروبية.

الجان البحري

اعتقد البحارة العرب بوجود جن يسكن البحر والجزر المهجورة والشعاب المرجانية. وكانت هذه الكائنات تقلد أصوات البشر أو تضلل السفن أثناء العواصف والضباب. ويقابلها في اليابان الكابّا، وفي أوروبا أرواح الماء مثل نيكس وروسالكا.

عروس البحر

ظهرت في الموروث الشعبي العربي كامرأة نصفها إنسان ونصفها سمكة، لكنها لم تكن دائمًا رمزًا للجمال، بل ارتبطت أحيانًا بالموت والغرق واختفاء البحارة. وتقابلها الميرميد الغربية والنينغيو اليابانية ومامي واتا الإفريقية.

مركب الجن

سفينة شبحية تظهر وسط البحر ليلاً، تضاء فوانيسها لكنها تختفي حين يقترب منها الناس. آمن بعض البحارة أن من يتبعها يضيع في البحر إلى الأبد. وتقابلها أسطورة الهولندي الطائر الأوروبية وسفن الأشباح اليابانية.

الطائر الرخ

كائن أسطوري هائل ظهر في رحلات السندباد البحري ضمن ألف ليلة وليلة. كان يوصف بطائر ضخم قادر على حمل الفيلة وتحطيم السفن. ويقابله غارودا الهندي والسيمرغ الفارسي وطائر الرعد عند سكان أميركا الأصليين.

الحوت الجبل

من القصص التي رواها البحارة العرب أن بعض الجزر ليست جزرًا حقيقية بل حيتان ضخمة نائمة تتحرك فجأة. ويقابل هذه الفكرة مخلوق هافغوفا في الأساطير الإسكندنافية.

بهموت

في بعض المرويات الشعبية الإسلامية القديمة ظهر كائن بحري كوني يُعرف باسم بهموت، وهو حوت هائل يحمل العالم أو تستند إليه البحار. ويشبه ليفياثان العبري ويورمونغاند النوردي.

الدابة البحرية أو شيطان البحر

وُصفت بأنها مخلوقات بحرية ضخمة تشبه الأخطبوط أو الحبار العملاق وتهاجم السفن أثناء العواصف. ويقابلها الكراكن الإسكندنافي.

جزيرة الجن

في بعض روايات جزر فرسان تحدث البحارة عن جزر يسمعون فيها أصواتًا غامضة أو يشاهدون أضواء تختفي فجأة، وكانوا يعتقدون أن الجن يسكنها. وهي تشبه الجزر المسحورة في الأساطير السلتية واليابانية.

بلعوم البحر وعين البحر

مصطلحات أطلقها البحارة العرب على الدوامات البحرية الخطيرة والتيارات التي تبتلع السفن والغواصين. وهي تشبه شاربديس الإغريقية والمايلستروم الإسكندنافية.

بحر الظلمات

اسم أطلقه العرب على المناطق البحرية المجهولة التي تكثر فيها العواصف والضباب واختفاء السفن. ويشبه مفهوم بحر الشياطين الياباني ومثلث برمودا الحديث.

المدن الغارقة

انتشرت في الموروث العربي قصص عن مدن وقرى ابتلعها البحر بسبب الطغيان والطمع، خاصة في سواحل البحر الأحمر والخليج العربي. وتقابلها أسطورة أتلانتس الإغريقية ودواركا الهندية.

صفارات البحر

حكايات عن أصوات نسائية وصفير يظهر وسط البحر أثناء الليل، وكان البحارة يعتقدون أن الرد على تلك الأصوات يقود إلى الموت أو الجنون. وهي شبيهة بالسيرينات الإغريقية.

أم الصبيان البحرية

كائن شعبي مخيف ارتبط بخطف الأطفال أو إغواء الناس قرب الجزر المهجورة والشعاب المرجانية، وتشبه أرواح الماء المخيفة في أوروبا واليابان.

أبو رجل بحر

كائن نصفه إنسان ونصفه مخلوق بحري، يُقال إنه يعيش قرب الصخور والشعاب المرجانية ويسحب الناس إلى الأعماق. وله تشابه مع الكابّا الياباني وبعض وحوش المستنقعات الأوروبية.

الجزيرة الحية

أسطورة ظهرت في رحلات السندباد البحري، حيث يعتقد البحارة أنهم نزلوا على جزيرة ثم يكتشفون أنها حوت عملاق نائم. وهي قصة موجودة أيضًا في الميثولوجيا الإسكندنافية.

السفن الملعونة

قصص عن سفن خرجت في رحلات ولم تعد أبدًا، ثم شوهدت لاحقًا كأشباح وسط الضباب. وقد ساعد اختفاء السفن الحقيقي بسبب العواصف على ترسيخ هذه القصص في الوعي الشعبي.

لماذا تتشابه الأساطير البحرية عالميًا؟

السبب أن البحر فرض على جميع الشعوب التجربة نفسها؛ الظلام، العواصف، الضباب، اختفاء الناس، الأصوات الغامضة، والحيوانات البحرية غير المفهومة. ولهذا ظهرت في كل الحضارات تقريبًا امرأة بحرية تغوي البحارة، ووحش يبتلع السفن، وجزيرة تتحرك، وسفينة شبحية، ومدينة غرقت تحت الماء. الاختلاف الوحيد كان في الأسماء واللغة، أما الخوف الإنساني فكان واحدًا.

Exit mobile version