Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الهدي النبوي في الطعام والشراب.. حينما يلتقي نور السنة بحكمة الجسد

 

بقلم: أحمد علي بكري

في يوم الجمعة المبارك، اليوم الذي تتعطر فيه الأرواح بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويأنس القلب فيه بذكر الله وتدارس سنته، تتجدد الحاجة إلى العودة لذلك المنهج النبوي العظيم الذي لم يترك جانباً من جوانب الحياة إلا وأضاءه بالحكمة والرحمة والاعتدال. ومن أعظم أبواب الهدي التي تستحق التأمل؛ هديه صلى الله عليه وسلم في الطعام والشراب، وفي بناء الإنسان الصحيح جسداً وروحاً وعقلاً.

فالنبي الكريم لم يكن مجرد معلم للعبادة فحسب، بل كان قائداً لمنهج حياة متكامل، يربط بين صحة البدن ونقاء القلب وصفاء العقل، حتى أصبحت سنته في التغذية والوقاية والاعتدال تسبق بكثير ما تتحدث عنه أحدث المدارس الصحية المعاصرة.

مائدة النبوة.. البساطة التي صنعت الصحة

حين نتأمل مائدة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أنها لم تكن قائمة على الإسراف أو الترف، بل على البركة والاعتدال وحسن الاختيار. فقد أحب صلى الله عليه وسلم أطعمة تحمل قيمة غذائية حقيقية، وتناسب طبيعة الجسد البشري دون إفراط.

ومن أشهر تلك الأطعمة “الثريد”، الذي وصف فضله على الطعام كفضل السيدة عائشة بنت أبي بكر على النساء. والثريد لم يكن مجرد وجبة تقليدية؛ بل غذاء متكامل يجمع بين الخبز والمرق واللحم، مانحاً الجسد البروتين والطاقة والشبع بطريقة متوازنة.

كما برزت “التلبينة” كواحدة من أعظم صور الرحمة النبوية بالغذاء النفسي والجسدي معاً. وهي خليط من الشعير والحليب والعسل، وصفها النبي بأنها تُذهب الحزن وتريح قلب المريض. واليوم تؤكد الدراسات الحديثة فوائد الشعير في تهدئة الجهاز الهضمي وتحسين المزاج لما يحتويه من ألياف وعناصر مغذية.

ولم تغب الخضروات عن الهدي النبوي؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يحب “الدباء” أو اليقطين، ويتتبعه في الطعام، لما يتميز به من سهولة الهضم وفوائده للقلب والدماغ. وكذلك جمعه بين “القثاء” والرطب، في توازن غذائي دقيق يراعي طبيعة الجسم وحرارة الطعام وبرودته، في صورة مدهشة من الفطرة الصحية السليمة.

أما أطعمة السفر والزهد فكانت تحمل هي الأخرى دلالات عظيمة، مثل “الحيس” المصنوع من التمر والسمن والأقط، و”السويق”، و”القديد” المجفف، وهي أطعمة اختيرت بعناية لتمنح الإنسان الطاقة والتحمل مع سهولة الحفظ والتنقل، بما يناسب حياة التنقل والعمل الشاق آنذاك.

قانون الثلث.. أعظم دستور غذائي في التاريخ

إن جوهر الصحة في السنة النبوية لا يتوقف عند نوعية الطعام فقط، بل يمتد إلى طريقة تناوله وضبط الشهوة تجاهه. وهنا تتجلى القاعدة النبوية الذهبية التي أصبحت اليوم أساساً لكثير من الأنظمة الصحية الحديثة:

ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه\text{ثلث لطعامه \quad وثلث لشرابه \quad وثلث لنفسه}ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه

هذا التوازن العجيب لم يكن توجيهاً عابراً، بل نظاماً وقائياً يحمي الإنسان من التخمة والخمول وأمراض العصر المرتبطة بالإفراط الغذائي.

وقد اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم على الأغذية الطبيعية في صورتها الفطرية؛ كخبز الشعير الكامل، والعسل، والتمر، وزيت الزيتون الذي وصفه بالمبارك، والخل الذي امتدحه كخير الإدام. وكانت هذه الأطعمة تمثل نموذجاً للتغذية النظيفة البعيدة عن التصنيع المفرط والمواد الضارة.

كما أن الصيام الدوري الذي حث عليه النبي، كصيام الاثنين والخميس والأيام البيض، يمثل اليوم ما يعرف بـ “الصيام المتقطع”، والذي تتحدث عنه الأبحاث الحديثة بوصفه وسيلة فعالة لتنشيط عمليات الأيض وتجديد الخلايا وتحسين وظائف الجسم.

حماية العقل.. لماذا حرمت الشريعة المسكرات؟

وفي مقابل هذا البناء الصحي المتكامل، جاءت الشريعة لتحمي أعظم نعمة منحها الله للإنسان: العقل.

فالخمر في الإسلام لم تُحرم عبثاً، بل لأنها تفسد الإدراك، وتدمر التوازن النفسي والسلوكي، وتفتح أبواب الشرور والانحرافات. ولهذا وصفها العلماء بأنها “أم الخبائث”.

وتؤكد المقاطع المشار إليها أن القاعدة الشرعية الحاسمة في هذا الباب تتمثل في قول النبي صلى الله عليه وسلم:

“ما أسكر كثيره فقليله حرام”.

ومن هنا فإن جميع المشروبات المسكرة، سواء كانت مقطرة كالويسكي والفودكا والعرق، أو مخمرة كالنبيذ والبيرة والشمبانيا، تدخل تحت التحريم؛ لأن العلة الأساسية هي تغييب العقل وتغيير وعي الإنسان.

ويبرز جمال الفقه الإسلامي في تعامله الدقيق مع المسائل المعاصرة، حيث يفرق العلماء بين النسب اليسيرة غير المؤثرة التي لا تُسكر مهما كثرت، وبين المشروبات التي أصلها مسكر أو يُقصد بها الإسكار. فالمعيار في النهاية هو حفظ العقل وصيانة الإنسان من الضرر.

السنة النبوية.. أسلوب حياة لا مجرد نصائح

إن المتأمل في الهدي النبوي يدرك أن الإسلام سبق العالم في بناء مفهوم “نمط الحياة الصحي”؛ فالسنة لم تقتصر على أوامر دينية مجردة، بل قدمت تصوراً متكاملاً للإنسان المتوازن في أكله وشربه ونومه وصيامه وحتى في حالته النفسية.

لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الصحة ليست رفاهية، بل أمانة. وأن الاعتدال ليس حرماناً، بل طريق للراحة والقوة وصفاء الذهن. وأن الطعام يمكن أن يكون عبادة إذا قصد به الإنسان التقوي على الطاعة وحفظ الجسد الذي استخلفه الله عليه.

وفي هذا اليوم المبارك، يوم الجمعة، لعل من أجمل ما يفعله المسلم أن يعود لهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، فيأكل باعتدال، ويبتعد عن الإسراف، ويحافظ على عقله وجسده، ويستشعر أن السنة النبوية ليست ماضياً يُروى، بل نوراً يصلح حياة الإنسان في كل زمان.

فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد بن عبد الله، الذي علم البشرية أن الوقاية خير من العلاج، وأن صفاء الروح يبدأ كثيراً من صفاء الجسد، وأن الاعتدال مفتاح البركة في الحياة كلها.

طابت جمعتكم بذكر الله، وكثرت صلاتكم على الحبيب المصطفى ﷺ.

Exit mobile version