Site icon صحيفة صدى نيوز إس

مرايا اجتماعية: “حين نطلب المثالية وننسى أننا من تُراب”

 

✍️ محمد فريح الحارثي

بالله عليكم الا تلاحظون معي  أننا كمجتمع  وانا واحد منكم أصبحنا نرى أنفسنا في مرايا المثالية والتسامي، وكأنها لباس يُخفي عيوبنا.

ثم نبحث عنها في سلوك الآخرين، ونطالبهم بها، ونحاسبهم على كل زلة وكأننا نحن بلا عثرات. ننظر من أبراج  الفوقية، نرى منها أخطاء الناس مضخّمة، بينما عيوننا عمياء عن عيوبنا التي تمشي معنا أينما ذهبنا.

يا عالم… يا ناس يا هوه… إلى أين  نحن ذاهبون؟

وأي كوكب نعيش فيه؟

المثالية الحقيقية ليست أن نكون بلا أخطأ، بل أن نتقبّل بعضنا، ونتعايش بسلام، ويهدي بعضنا بعضاً طيب الحياة، ويغفر بعضنا زلات بعض، ويكمل بعضنا نقص بعض، ويتغاضى بعضنا عن هفوات بعض، ويجبر بعضنا كسر خواطر الآخرين. هذه هي المثالية التي تُبقي القلوب حيّة، لا تلك التي نتلبس بها ونشاهدها في مرايا التوقعات المستحيلة.

ما لنا أصبحنا نعيش وكأننا ملائكة؟

ونحن في الحقيقة بشر، خُلقنا من تراب، ومردّنا إلى تراب.

ومن المفارقات العجيبة، أنه إذا غضب أحدنا من الآخر، وأراد أن ينتقص منه، ويحط من قدره، قال: “فلان… والتراب!”

وكأن التراب وصمة عار، بينما التراب أصلنا جميعاً.

نسيَ من قالها أنه هو أيضاً من التراب، وأنه سيعود إليه، وأنه مهما علا وارتفع، فالأصل واحد، والنهاية واحدة “كلكم لآدم وآدم من تراب “.

لطالما استوقفني أن بعضنا لا يغضبون لأن الحق معهم، بل لأن صورتهم المثالية عن أنفسهم تشرخها كلمة، أو رأي، أو اختلاف بسيط. فيثورون لا دفاعاً عن الحقيقة، بل دفاعاً عن “النسخة الملائكية المتخيّلة” من ذواتهم. نسخة لا تخطئ، ولا تُنتقد، ولا تُراجع.

وهذه النسخة هي التي جعلت العلاقات هشة، والقلوب متباعدة، والنفوس متحفّزة لأي هفوة.

شاهدوا معي المثالية التي ينبغي أن نرى فيها أنفسنا، تلك  التي “تعالج” ولا “تجرح”، فلنتأمل موقف أُمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين غارت وكسرت قصعة الطعام أمام النبي ﷺ. لم يرفع النبي شعار “المثالية المستحيلة” ولم يحطمها، بل جمع الطعام بيده الشريفة وقال متبسماً: **”غارت أمكم”**. هذا هو الاحتواء؛ لم ينكر بشريتها، ولم يتعالى عليها، بل جبر خاطرها بكلمة طيبة.

 

يا ناس…

لو عرفنا قيمة البساطة، والتواضع، وقيمة أن نكون كما نحن بلا تكلّف، لارتاحت أرواحنا، وانشرحت صدورنا.

ولو أدركنا أن أجمل ما في الإنسان نقصه، وأن أصدق ما فيه ضعفه، لما سلقنا بعضنا بألسنة حدادٍ شداد على كل زلة، ولا رفعنا راية المثالية في وجه كل اختلاف.

نحن لا نحتاج إلى مجتمع كامل فالكمال لله جل جلاله… نحتاج إلى مجتمع متسامح.

لا نحتاج إلى بشر بلا نقص أو أخطاء…

نحتاج إلى بشر يحتوون الأخطاء.

ولا نحتاج إلى قلوب تدّعي الطهارة…

نحتاج إلى قلوب تغفر، وتلين، وتُصلح، وتُجبر.

فالمثالية ليست أن نكون بلا عيب…المثالية أن نكون بشرًا من تراب .

Exit mobile version