Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الحجّ… رحلةُ الروح إلى النقاء

العارضة – صحيفة صدى نيوز اس

عبدالله شراحيلي

 

ليس الحجُّ مجرّد انتقالٍ من مكانٍ إلى مكان، ولا أداءَ شعائرَ تُؤدَّى في أيامٍ معدودات، بل هو رحلةٌ عميقةٌ تعودُ فيها الروحُ إلى أصلِ نقائها، ويقفُ فيها الإنسانُ أمامَ نفسهِ مجرّدًا من كلِّ ما أثقل قلبه من ضجيج الدنيا وتعبها.

حين يلبسُ الحاجُّ إحرامَه، فإنَّه لا يخلعُ ثيابهُ فحسب، بل يخلعُ شيئًا من غروره، ومن تفاخره، ومن الفوارق التي صنعتها الحياة بين الناس. هناك، لا يُعرَفُ غنيٌّ من فقير، ولا كبيرٌ من صغير، الجميعُ يقفون بلونٍ واحد، ولسانٍ واحد، وغايةٍ واحدة:

“لبيك اللهم لبيك”.

وفي الحجِّ تتجلّى أعظمُ معاني العبودية؛ ففيه صلاةٌ وخشوع، ودعاءٌ وابتهال، وصبرٌ وتحمّل، ورحمةٌ وتسامح، وتجرّدٌ من الأنانية. وكأنَّ الله أراد أن يجعل هذه الرحلة مدرسةً متكاملةً تُعيدُ ترتيبَ القلب، وتُعلِّم الإنسان كيف يكون أقربَ إلى ربِّه، وأرحمَ بخلقه، وأصدقَ مع نفسه.

وفي زحامِ الطواف، يدركُ الإنسان أنَّ الحياة مهما اتّسعت فهي تدور حول مركزٍ واحد: طاعة الله. وفي السعي بين الصفا والمروة يتعلّم أنَّ الفرج يأتي بعد التعب، وأنَّ الأمل لا يموت ما دام القلب متعلّقًا بالله. أمّا الوقوف بعرفة، فهو المشهد الذي تذوبُ فيه القلوب خشوعًا، وتنكسرُ فيه الأرواح بين يدي خالقها، فلا يبقى في النفس إلا الرجاء، ولا على اللسان إلا الدعاء.

الحجُّ ليس رحلةَ جسدٍ فقط، بل رحلةُ مراجعةٍ ومصالحة. يعودُ بعدها الإنسانُ وكأنَّه وُلِدَ من جديد، أكثر هدوءًا، وأكثر قربًا من الله، وأكثر إدراكًا أنَّ السعادة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيما يسكنُ قلوبنا من إيمانٍ وطمأنينة.

وما أجمل أن يحمل الإنسانُ من الحجِّ أثرًا يبقى بعد عودته؛ خُلُقًا أرقى، وقلبًا أنقى، ولسانًا يذكر الله، ونفسًا تعفو وتسامح. فالحجُّ الحقيقي ليس أن تصلَ إلى المشاعر المقدّسة فقط، بل أن تصلَ إلى قلبٍ جديدٍ يعرفُ الله أكثر، ويحبُّ الخير أكثر، ويضيءُ حياةَ من حوله بالمحبّة والسلام.

Exit mobile version