بقلم أحمد علي بكري
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية تُستخدم لكتابة النصوص أو توليد الصور أو إدارة المحادثات الذكية، بل أصبح ساحة حرب عالمية جديدة تتصارع فيها الشركات والدول على الطاقة، والمعالجات، ومراكز البيانات، وحتى النفوذ السياسي والعسكري. وفي قلب هذه المعركة الصاخبة تقف شركة Anthropic، الشركة التي بدأت كمختبر صغير يحمل شعارات “السلامة” و”الأخلاقيات”، لكنها تتحول اليوم بسرعة مرعبة إلى أحد أخطر وأقوى الكيانات التقنية على سطح الأرض.
القصة لم تعد منافسة تقليدية بين روبوتات المحادثة، ولم يعد السؤال: “من يملك أفضل نموذج ذكاء اصطناعي؟”، بل أصبح السؤال الحقيقي: “من يملك القدرة الحوسبية الكافية للسيطرة على المستقبل؟”. فالعالم يدخل تدريجياً مرحلة يمكن فيها للحوسبة والطاقة الكهربائية أن تكون أهم من النفط نفسه.
منذ تأسيسها، حاولت Anthropic أن تقدم نفسها كبديل أكثر حذراً وأماناً من OpenAI. ففي الوقت الذي كانت فيه الشركات الأخرى تتسابق لإطلاق نماذج أكثر قوة بغض النظر عن المخاطر، كانت الشركة تتحدث عن “الذكاء الاصطناعي الدستوري”، وعن ضرورة وضع حدود أخلاقية صارمة للتقنيات القادمة. لكن الواقع التجاري والحرب التقنية العالمية سرعان ما دفعت الشركة إلى التحول من مختبر فلسفي إلى آلة توسع هائلة تلتهم الحوسبة والطاقة والاستثمارات بمعدلات غير مسبوقة.
أكثر ما أثار الصدمة في المرحلة الأخيرة هو التحالف غير المتوقع بين Elon Musk وAnthropic. فالرجل الذي سخر علناً من نموذج “Claude” ووصفه سابقاً بالمتحيز والمنافق، عاد بشكل مفاجئ ليفتح للشركة أبواباً هائلة من القوة الحوسبية عبر شركاته العملاقة. هذه الخطوة لم تكن مجرد صفقة تقنية، بل كانت رسالة حرب مباشرة في وجه OpenAI وSam Altman.
الصفقة تضمنت منح الشركة وصولاً إلى قدرات حوسبة ضخمة تشمل مئات آلاف المعالجات الرسومية من NVIDIA، إضافة إلى طاقة كهربائية هائلة تتجاوز مئات الميجاوات، وهي أرقام لم تعد مرتبطة بشركات برمجيات عادية، بل أصبحت أقرب إلى استهلاك مدن صناعية كاملة. هذا يكشف حقيقة مخيفة بدأت تتضح للعالم: الذكاء الاصطناعي الحديث لم يعد يعتمد فقط على “الذكاء”، بل على القدرة على تشغيل أكبر عدد ممكن من الرقائق الإلكترونية واستهلاك أكبر قدر ممكن من الطاقة.
لقد تحولت المعركة التقنية إلى سباق تسلح حقيقي. فالشركات الكبرى لم تعد تتنافس على عدد المستخدمين فقط، بل على من يستطيع بناء مراكز بيانات أسرع وأضخم وأكثر استهلاكاً للطاقة. ولهذا أصبحت الكهرباء، وأنظمة التبريد، وحتى الأراضي المناسبة لبناء مراكز البيانات، عناصر استراتيجية لا تقل أهمية عن الخوارزميات نفسها.
وسط هذه الحرب، انفجرت القيمة السوقية لشركة Anthropic بصورة جنونية. التقارير والاستثمارات الأخيرة تشير إلى أن الشركة قد تقترب من تقييم تاريخي يلامس حاجز التريليون دولار، وهو رقم كان قبل سنوات قليلة يُعتبر ضرباً من الخيال بالنسبة لشركة ناشئة لم يمض على تأسيسها وقت طويل. هذا الصعود السريع يعكس حجم الهوس العالمي الحالي بالذكاء الاصطناعي، لكنه يكشف أيضاً حجم الرعب الذي تعيشه الشركات والحكومات من احتمال التأخر عن الركب.
النمو المالي للشركة لم يأتِ من فراغ. فقد أصبح نموذج “Claude” وأدوات البرمجة المرتبطة به من أكثر الأدوات طلباً بين المطورين والشركات الكبرى. المؤسسات لم تعد تريد مجرد روبوت دردشة، بل تريد أنظمة قادرة على كتابة الأكواد، وتحليل البيانات، وإدارة البنية البرمجية، واكتشاف الأخطاء الأمنية، وتسريع الإنتاجية بشكل غير مسبوق. وهذا ما جعل الطلب على خدمات الشركة يرتفع بشكل انفجاري.
لكن خلف هذا النجاح الهائل كانت هناك أزمة حقيقية تُزعج المستخدمين: أزمة “سعة الحوسبة”. كثير من مستخدمي Claude اشتكوا لفترات طويلة من بطء الخدمة، وحدود الاستخدام، والانقطاعات خلال ساعات الذروة. السبب لم يكن ضعف البرمجيات، بل نقص القدرة الحوسبية مقارنة بالطلب الهائل. فالذكاء الاصطناعي الحديث يستهلك موارد مرعبة، وكل محادثة أو عملية تحليل أو توليد أكواد تحتاج إلى كميات ضخمة من المعالجة.
ومع التوسعات الجديدة بدأت الشركة في إزالة كثير من هذه القيود، فرفعت حدود الاستخدام، ووسعت قدرات الواجهات البرمجية، وسمحت بمعالجة ملايين الرموز النصية في الدقيقة الواحدة. هذه التحسينات لا تعني فقط تجربة أفضل للمستخدم، بل تعني أن الشركة تستعد لدخول مرحلة جديدة تصبح فيها نماذج الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من البنية الرقمية العالمية، تماماً كما أصبحت محركات البحث والهواتف الذكية سابقاً.
إلا أن أخطر ما يحيط بالشركة ليس النمو التجاري، بل علاقتها المعقدة مع الحكومات والمؤسسات العسكرية. فبينما تتسابق شركات كثيرة للتعاون مع الجهات الأمنية والعسكرية، حاولت Anthropic أن تحافظ على صورة أكثر تحفظاً فيما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة القتل الذاتي والمراقبة الشاملة. هذا الموقف وضعها في صدامات سياسية مع جهات نافذة داخل الإدارة الأمريكية، خاصة مع تصاعد الحديث عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب المستقبلية.
العالم اليوم يعيش سباقاً مرعباً بين الشركات والحكومات لبناء “ذكاء اصطناعي سيادي”. أي أن كل دولة كبرى تريد أن تمتلك نماذجها الخاصة وبنيتها الحوسبية المستقلة بعيداً عن سيطرة المنافسين. وهذا ما يجعل الشركات مثل Anthropic وOpenAI وGoogle ليست مجرد شركات تقنية، بل كيانات ذات تأثير جيوسياسي قد يعادل تأثير الدول نفسها.
ومن أكثر الجوانب غموضاً وإثارة للرعب في القصة هو النموذج السري المعروف باسم “Mythos”. تشير المعلومات المتداولة إلى أن هذا النموذج يمتلك قدرات هائلة في اكتشاف الثغرات البرمجية وتحليل الأنظمة المعقدة بسرعة تفوق البشر بمراحل. لقد تم استخدامه لاكتشاف مئات الثغرات الأمنية وإصلاحها، وهو ما يكشف مستوى التطور الذي وصلت إليه هذه الأنظمة.
لكن هنا تظهر المشكلة الأخطر: أي أداة تستطيع اكتشاف الثغرات يمكنها أيضاً استغلالها. أي نظام قادر على حماية الشبكات يمكنه نظرياً تدميرها كذلك. ولهذا تخشى الحكومات وخبراء الأمن السيبراني من أن تقع مثل هذه النماذج في الأيدي الخطأ، سواء كانت جماعات قرصنة، أو عصابات ابتزاز إلكتروني، أو حتى دولاً معادية. فالعالم الرقمي الحالي قائم بالكامل تقريباً على أنظمة يمكن استهدافها، والذكاء الاصطناعي قد يجعل عمليات الاختراق أسرع وأرخص وأكثر تدميراً من أي وقت مضى.
المثير أكثر أن طموحات الشركة لم تعد محصورة على الأرض. فمع تصاعد أزمة الطاقة والتبريد، بدأت تظهر أفكار كانت تبدو كخيال علمي قبل سنوات، مثل بناء بنية حوسبة مدارية في الفضاء. الفكرة تقوم على إنشاء مراكز بيانات ضخمة مرتبطة بالأقمار الصناعية أو منصات فضائية، حيث يمكن استغلال البرودة الطبيعية للفضاء وتوفير مصادر طاقة مختلفة بعيداً عن قيود الأرض.
هذا التوجه يكشف إلى أي مدى وصلت الأزمة الحقيقية في عالم الذكاء الاصطناعي. فالشركات لم تعد تبحث فقط عن خوارزميات أفضل، بل عن أماكن جديدة لتشغيل هذه الوحوش الحاسوبية العملاقة. ومع دخول شركات مثل SpaceX إلى المشهد، لم يعد الحديث عن “حوسبة فضائية” مجرد نظرية مستقبلية، بل احتمالاً فعلياً قد يتحقق خلال السنوات القادمة.
في النهاية، لم تعد Anthropic ذلك المختبر الهادئ الذي يتحدث عن الأخلاقيات بحذر أكاديمي. الشركة أصبحت لاعباً مركزياً في أخطر سباق تقني عرفه البشر منذ الثورة الصناعية. سباق لا يتعلق فقط بالبرمجيات، بل بالطاقة، والبنية التحتية، والسيطرة الاقتصادية، والنفوذ السياسي، وربما حتى شكل الحضارة البشرية القادمة.
العالم الآن يقف على حافة مرحلة جديدة قد يصبح فيها الذكاء الاصطناعي القوة الأكثر تأثيراً في التاريخ الحديث. والسؤال الذي لم يعد أحد يملك إجابة واضحة عنه هو: هل تستطيع البشرية السيطرة على هذا الوحش بعد أن أطلقت سراحه؟

