Site icon صحيفة صدى نيوز إس

Knight’s Path (درب الفارس) المشروع الذي قد يعيد تعريف ألعاب الـRPG الواقعية

 

بقلم: أحمد علي بكري

في السنوات الأخيرة أصبحت ألعاب تقمص الأدوار الحديثة تعاني من أزمة هوية حقيقية. معظم الشركات الكبرى باتت تعتمد على نفس الوصفة التجارية تقريباً: خريطة عملاقة، مئات العلامات على الشاشة، مهام جانبية متكررة، وأنظمة لعب سطحية مصممة لإبقاء اللاعب لأطول فترة ممكنة حتى لو كان المحتوى نفسه فارغاً من العمق الحقيقي. ولهذا السبب تحديداً بدأت لعبة Knight’s Path تلفت الأنظار بشكل غير متوقع، ليس لأنها تمتلك ميزانية ضخمة أو حملة دعائية هوليوودية، بل لأنها تبدو وكأنها تعود إلى فلسفة ألعاب الـRPG القديمة التي كانت تركز على بناء عالم حي ومتناسق يشعر اللاعب داخله بأنه جزء حقيقي من هذا العالم، لا مجرد شخص يطارد علامات المهام على الخريطة.

المثير للاهتمام أن اللعبة يتم تطويرها بواسطة فريق صغير جداً مكون من أربعة مطورين فقط باستخدام محرك Unreal Engine، ومع ذلك فإن حجم الطموح الموجود داخل المشروع ضخم للغاية مقارنة بعدد المطورين. الفيديو التحليلي الذي أثار الضجة حول اللعبة لم يركز فقط على الرسومات أو المؤثرات البصرية، بل كشف عن فلسفة تصميم كاملة تبدو نادرة جداً في صناعة الألعاب الحديثة، فلسفة تقوم على الواقعية، التطور العضوي للشخصيات، والاعتماد على ذكاء اللاعب بدلاً من توجيهه بشكل مستمر.

عالم Eronfold

أول ما يلفت الانتباه في اللعبة هو عالم “إيرنفولد” (Eronfold)، وهو عالم فانتازي لكنه لا يشبه عوالم الفانتازيا المعتادة الممتلئة بالمخلوقات الأسطورية والسحر المضيء والانفجارات الملونة. اللعبة تنتمي لما يسمى بـLow Fantasy، أي الفانتازيا الواقعية القريبة جداً من التاريخ الحقيقي، وهذا واضح بشكل هائل في تصميم البيئة والأسلحة والدروع وحتى طريقة حديث الشخصيات وتفاعلهم مع العالم.

الفريق المطور استلهم الكثير من التاريخ الأوروبي الوسيط، وخاصة أجواء الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ويمكن ملاحظة ذلك في العمارة الحجرية الثقيلة، تصميم الحصون، الكنائس، الأحياء الفقيرة، وحتى الملابس التي تبدو مستوحاة من المخطوطات القروسطية القديمة. العالم لا يحاول أن يكون “جميلًا” بالمعنى التجاري الحديث، بل يحاول أن يبدو مقنعاً وواقعياً. الطرق موحلة، القرى متسخة، الفقر ظاهر على الناس، والجنود يبدون مرهقين من الحروب المستمرة. هذا النوع من الواقعية البصرية يعطي العالم ثقلاً نفسياً يجعل اللاعب يشعر بأن هذه الأرض عاشت فعلاً قبل أن يصل إليها.

المهم هنا أن الواقعية ليست مجرد مظهر خارجي. اللعبة تحاول بناء منطق داخلي كامل للعالم. الاقتصاد، حياة السكان، توزيع الحراس، وحتى أماكن القرى تبدو منطقية ومتوافقة مع طبيعة البيئة. القرى الزراعية قريبة من الأنهار والحقول، الحصون تبنى فوق المرتفعات الدفاعية، والمناطق الخطرة تكون بعيدة عن طرق التجارة. هذه التفاصيل قد لا يلاحظها اللاعب مباشرة لكنها تؤثر نفسياً على إحساسه بواقعية العالم.

أولريك… البطل الذي يبدأ ضعيفاً فعلاً

واحدة من أكبر مشاكل ألعاب الـRPG الحديثة أن البطل غالباً يبدأ وكأنه نصف إله. حتى لو قيل لك داخل القصة إنه “مبتدئ”، فإن طريقة اللعب نفسها تكشف العكس؛ يتحرك بسرعة، يقاتل باحتراف، وينفذ حركات قتالية خارقة منذ الدقائق الأولى. لكن Knight’s Path تتعامل مع هذه الفكرة بطريقة مختلفة تماماً من خلال شخصية “أولريك” (Alrich).

أولريك ليس بطلاً أسطورياً ولا مقاتلاً عظيماً. هو نبيل شاب خسر كل شيء ويحاول النجاة وإعادة بناء حياته من الصفر. اللعبة لا تكتفي بإخبارك بذلك عبر الحوارات، بل تجعلك تشعر به ميكانيكياً. في بداية اللعبة يمسك السيف بطريقة خاطئة، يتحرك بتردد، ويستهلك طاقته بسرعة أثناء القتال. حتى وقفته القتالية توحي بأنه شخص غير متمرس. هذه الفكرة بحد ذاتها ضخمة جداً لأن معظم الألعاب تفصل بين “القصة” و”الجيم بلاي”، بينما هنا يتم دمج الاثنين بشكل مباشر.

كل تدريب وكل معركة ينعكس تدريجياً على الشخصية. التحريك (Animations) يتغير مع مرور الوقت، والضربات تصبح أكثر دقة وثباتاً، كما أن وضعية الجسد نفسها تتطور تدريجياً. اللاعب لن يلاحظ هذا التطور عبر الأرقام فقط، بل سيراه بعينيه. وهذا أحد أذكى أساليب بناء الإحساس بالتقدم داخل ألعاب تقمص الأدوار، لأن التطور هنا يصبح محسوساً بصرياً وجسدياً، لا مجرد زيادة في الضرر أو الصحة.

نظام القتال… معركة مهارة حقيقية لا تبادل ضربات

القتال في اللعبة يبدو وكأنه العمود الفقري الكامل للتجربة. النظام مستوحى بشكل واضح من Sekiro: Shadows Die Twice لكن مع تحويله إلى بيئة قروسطية واقعية تعتمد على مدارس القتال الأوروبية التاريخية HEMA. وهذا يعني أن المواجهات لا تعتمد على الضرب العشوائي أو الكومبوهات السينمائية المعتادة، بل على التوقيت، المسافة، قراءة الخصم، والتحكم بالأعصاب.

HEMA أو Historical European Martial Arts ليست مجرد حركات استعراضية، بل منظومة قتال تاريخية حقيقية مبنية على مخطوطات أوروبية قديمة كانت تشرح أساليب المبارزة واستخدام الأسلحة في العصور الوسطى. المطورون حاولوا نقل هذه الفلسفة إلى اللعبة، ولذلك تبدو الحركات ثقيلة ومدروسة وليست سريعة بشكل خيالي.

اللاعب يحتاج لفهم زوايا الهجوم، توقيت الصد، وإدارة التحمل بشكل دقيق. نظام الـParry يلعب دوراً محورياً هنا، لأن كسر توازن الخصم أهم أحياناً من كمية الضرر نفسها. عندما تفقد خصمك توازنه يمكنك تنفيذ ضربة قاتلة تنهي المواجهة بسرعة. هذه الفكرة تجعل كل قتال أشبه بمبارزة ذهنية متوترة وليست مجرد تبادل أرقام.

الأخطر من ذلك أن الأعداء لا يتصرفون بطريقة تقليدية. الذكاء الاصطناعي يحاول تعلم أسلوب اللاعب نفسه. إذا كنت تعتمد دائماً على نفس الضربة أو نفس توقيت المراوغة فإن الأعداء يبدأون تدريجياً بتوقع حركاتك والرد عليها. هذه الجزئية وحدها قد تجعل المعارك أكثر تنوعاً بشكل هائل لأن اللاعب سيكون مجبراً على تطوير أسلوبه باستمرار بدلاً من استغلال حركة واحدة قوية طوال اللعبة.

تطور الأسلحة والدروع

اللعبة لا تتعامل مع الأسلحة كأنها مجرد أرقام ضرر مختلفة. كل فئة سلاح تفرض أسلوب لعب خاص بها. السيوف ذات اليد الواحدة تمنح توازناً بين السرعة والدفاع، خاصة عند دمجها مع الدروع. الفؤوس تبدو أبطأ لكنها قادرة على اختراق الدفاعات الثقيلة. الصولجانات فعالة ضد الدروع المعدنية بسبب قوة الضربات الراضّة. أما الأسلحة ذات اليدين مثل السيوف الطويلة والرماح فتعتمد على التحكم بالمسافة والزخم.

الرماح تحديداً تبدو مثيرة للاهتمام لأن الألعاب غالباً تظلم هذا النوع من الأسلحة رغم أنه كان من أهم أسلحة الحروب التاريخية. في اللعبة يبدو أن الرمح يمنح اللاعب قدرة ممتازة على إبقاء الأعداء بعيدين، لكنه يصبح خطيراً إذا اقترب الخصم كثيراً.

الدروع أيضاً مبنية على منطق واقعي. هناك تسعة مستويات مختلفة تبدأ من الملابس البسيطة وصولاً إلى الدروع الصفيحية الكاملة. لكن الأهم أن الدرع لا يمنح حماية مجانية فقط، بل يفرض تكلفة حقيقية على الحركة والتحمل. كلما ارتفع مستوى التدريع أصبحت الحركة أثقل واستهلاك الطاقة أعلى. هذا يعني أن اختيار الدرع ليس قراراً شكلياً بل قرار استراتيجي يغير أسلوب اللعب بالكامل.

العالم المفتوح… الكثافة بدلاً من الضخامة

أحد أكثر الجوانب المثيرة للإعجاب أن المطورين رفضوا فكرة العالم العملاق الفارغ. بدلاً من ذلك اختاروا بناء عالم أصغر حجماً لكنه مليء بالتفاصيل والأنشطة والتفاعلات. هذه الفلسفة مستوحاة بشكل واضح من سلسلة Gothic القديمة، حيث كانت كل منطقة مصممة يدوياً وتحمل قيمة فعلية.

العالم هنا لا يعتمد على التكرار العشوائي للمحتوى. الكهوف، القرى، الغابات، والطرق تبدو مصنوعة بعناية وليس عبر أنظمة توليد تلقائي. حتى توزيع الأعداء له منطق بيئي؛ قطاع الطرق يتمركزون قرب طرق التجارة، الحيوانات المفترسة تعيش في المناطق المعزولة، والحاميات العسكرية تنتشر حول المناطق الاستراتيجية.

الاستكشاف نفسه يبدو مختلفاً عن المعتاد. لا توجد علامات مهام أو بوصلة سحرية تقودك لكل شيء. اللاعب يحتاج فعلاً إلى الانتباه للبيئة. الشخصيات قد تخبرك أن الهدف يقع “خلف الطاحونة القديمة قرب النهر الشمالي”، وعليك أنت أن تستنتج الطريق بنفسك. هذا الأسلوب يعيد شعور المغامرة الحقيقي الذي اختفى تقريباً من ألعاب العالم المفتوح الحديثة.

الـNPCs… شخصيات تعيش حياتها فعلاً

الكثير من الألعاب تدّعي أن شخصياتها الجانبية “حية”، لكن الواقع أن معظمها يقف في نفس المكان طوال اليوم بانتظار اللاعب. أما هنا فكل شخصية تمتلك روتيناً يومياً كاملاً. الحداد يعمل نهاراً ثم يغلق متجره ليلاً. الفلاحون يذهبون للحقول صباحاً. الحراس يبدلون المناوبات. السكان يعودون لمنازلهم عند حلول الليل.

هذا النوع من الأنظمة يجعل العالم يبدو مستقلاً عن اللاعب، وكأن الحياة تستمر حتى عندما لا تكون موجوداً. والأهم أن جميع الشخصيات مؤداة صوتياً بالكامل، وهي خطوة ضخمة جداً بالنسبة لفريق صغير، لأن التمثيل الصوتي الكامل يتطلب وقتاً وموارد هائلة.

الزمن وتأثيره على العالم

اللعبة مقسمة إلى ثلاثة فصول رئيسية، لكن الانتقال بينها لا يغير القصة فقط، بل يغير العالم نفسه. السنوات تمر، الشخصيات تكبر، بعض الناس يموتون، مناطق تتغير، وندوب أولريك تصبح أوضح مع الوقت. حتى المهام الجانبية تتأثر بمرور الزمن؛ بعض الفرص قد تختفي إذا تأخرت كثيراً.

هذه الفكرة تعطي العالم إحساساً حقيقياً بالحركة الزمنية، وتجعل اللاعب يشعر أن أفعاله وقراراته مرتبطة بزمن فعلي وليس بعالم جامد ينتظر وجوده دائماً.

فلسفة المطورين… لماذا تحمس اللاعبون؟

ربما أحد أهم أسباب الحماس حول اللعبة هو موقف المطورين أنفسهم. الفريق أعلن بوضوح رفضه استخدام أنظمة DRM أو حماية Denuvo، ورفض أيضاً تدخل المستثمرين الخارجيين للحفاظ على رؤيتهم الفنية. هذا النوع من القرارات نادر جداً حالياً، خاصة مع سيطرة الشركات الكبرى على الصناعة.

اللاعبون شعروا أن المشروع يتم تطويره بشغف حقيقي، لا كمجرد منتج تجاري. وهذا الإحساس أصبح نادراً في صناعة الألعاب الحديثة التي تحولت فيها كثير من المشاريع إلى منصات لتحقيق الأرباح أكثر من كونها تجارب فنية متكاملة.

هل تستطيع Knight’s Path أن تصبح ظاهرة؟

السؤال الحقيقي الآن ليس ما إذا كانت اللعبة تبدو واعدة، بل ما إذا كان فريق صغير بهذا الحجم قادراً فعلاً على تنفيذ كل هذه الأنظمة المعقدة بالمستوى المطلوب. لأن الأفكار المطروحة طموحة جداً: ذكاء اصطناعي يتعلم من اللاعب، عالم يتغير زمنياً، أنظمة قتال تاريخية دقيقة، وتفاعلات NPCs متقدمة. هذه عناصر حتى بعض استوديوهات AAA الضخمة تفشل أحياناً في تنفيذها بشكل متكامل.

لكن إن نجح الفريق فعلاً في تحقيق رؤيته، فقد تتحول Knight’s Path إلى واحدة من أهم مفاجآت ألعاب الـRPG خلال السنوات القادمة، وربما تصبح المثال الجديد على أن الشغف والتصميم الذكي قد يتفوقان أحياناً على الميزانيات الضخمة.

Exit mobile version