وجه معالي رئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس – كلمةً لحجاجِ بيتِ اللهِ الحرام بمناسبةِ عشرِ ذي الحجة: اغتنموا شرفَ الزمانِ والمكان، وحقّقوا مقاصدَ الحج، والتزموا بالأنظمةِ والتعليمات وفيما يلي الكلمة التي وجهها معاليه:-
بسم الله الرحم الرحيم
الحمد لله الذي منَّ علينا بمواسم الخيرات وأماكن العبادات والبركات ومناسبات البر والرحمات، وأصلي وأسلم على سيد البريات، نبينا محمد أولي الفضل والمكرمات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المعاد.
أما بعد..
فيا أيها الإخوة المسلمون، ويا حجاج بيت الله الحرام؛ ضيوف الرحمن وفود الملك العلّام: نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أن منَّ علينا بشرف الزمان في حلول عشر ذي الحجة المباركة التي هي أفضل أيام العام، وفيها أقسم الله -عز وجل- بقوله سبحانه: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.
قال جمهور المفسرين: إنها أيام عشر ذي الحجة. وقال فيها النبي ﷺ فيما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما-: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [أخرجه أبوداود].
فينبغي على المسلم اغتنام نفحات هذه الأيام المباركة، بالحرص على أداء الفرائض، واجتناب المعاصي، والإكثار من الأعمال الصالحة، وما يقرب إلى مولاه، يقول ربنا جل شأنه في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» [أخرجه البخاري].
وهذه العشر دارّة بالخيرات، منَّ الله بها على عباده؛ ليتزودوا منها بنوافل العبادات من: صلاة وصدقة وصيام، لا سيما صيام يوم عرفة لغير الحاج الذي: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» [أخرجه مسلم]، والإكثار من ذكر الله؛ امتثالًا لقول المصطفى ﷺ: «فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ» [أخرجه البخاري].
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
ويتحتّم علينا ونحن نعيش مع شرف الزمان شرف المكان لبيت الله الحرام، البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾؛ أن نعظِّم مكانة هذا البيت العتيق؛ تعظيمًا لشعائر الله -جلَّ وعلا-، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾.
ومن تعظيمه: حفظ أمنه ونظامه، والالتزام بالتوجيهات والتعليمات، وألا يُؤذى فيه أحد من المسلمين؛ بل يكون المسلم والحاج فيه متحليًا بالسكينة والرحمة وحسن الخلق.
وقد جعل الله لهذا البلد الحرام حرمة عظيمة؛ فلا يُنفَّر صيده، ولا يُختلى خلاه، ولا تُلتقط لقطته إلا لمنشد، فكيف بأذية المؤمنين وضيوف رب العالمين؟! وقد قال الله -عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾.
وها أنتم أيها الحجاج الميامين تعيشون شرف الزمان في موسم الحج إلى بيت الله الحرام، تلك الفريضة العظيمة التي هي أحد أركان الإسلام، فأول ما يقوم عليه حجكم: على العقيدة والتوحيد؛ لأن هذا البيت إنما وضع للتوحيد: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾.
فينبغي أن نحقق التوحيد ونحن في بيت الله الحرام بإخلاص الدين لله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، واتباع سنة نبينا محمد ﷺ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» [أخرجه البيهقي في سننه الكبرى].
ومن ذلك: العمل على كل ما يكون فيه الحج مبرورًا، قال الله -عز وجل-: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ ، وفي مقدمتها الجهات الأمنية؛ لتحفظ -بعد الله- أمنكم وسلامتكم وصحتكم، من كل ما يعكر صفو حجكم، فتعاونوا مع إخوانكم رجال الأمن الذين يبذلون جهودًا مباركة لخدمتكم وراحتكم.
وكذلك استغلال ما وُفِّر لكم من الجهود والمبادرات والبرامج في أرجاء وأروقة الحرمين الشريفين من إخوانكم برئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي؛ من الدروس العلمية ودورات الحج والمناسك وحلقات القرآن الكريم وكبائن وبرامج إجابة السائلين، وما يقربكم إلى الله، ويثري تجربتكم الدينية في هذه الفريضة العظيمة، فاغتنموا أوقاتكم بحضورها وتفعيل أدوارها والاستفادة منها.
حجاج بيت الله الحرام، احرصوا على أوقاتكم، فلا تضيعوها بالتصوير ولا الهواتف المحمولة، والتزموا خطة إدارة الحشود، وتعاونوا مع إخوانكم القائمين على هذا العمل الجليل، واجتهدوا في عدم الصلاة في الممرات والطرقات وسدها، واحرصوا على رفع نسبة الوعي والتعاون مع الجهات المعنية؛ حتى يتحقق لكم يسر الحج وسهولته وأمنه ونظامه، والتزموا بتصريح الحج، واعتنوا بأن يكون حجكم محققًا لشروطه ومقاصده وأركانه وواجباته وسننه ومستحباته.
وعلى المرأة المسلمة أن تحافظ على حجابها وحشمتها في هذه الأماكن العظيمة؛ لأنه من تعظيم شعائر الله.
حجاج بيت الله الحرام، أبشروا وأملوا وهنيئًا لكم هذه الأعمال الخيرة بتوافر شرف الزمان وشرف المكان وشرف المناسبة.
فجزى الله ولاة أمرنا خير الجزاء، وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- على ما يلقاه الحرمان الشريفان وحجاج بيت الله الحرام من جليل العناية وفائق الرعاية، جعله الله في موازين أعمالهم الصالحة.
نسأل الله أن يتقبل منا ومن الحجاج صالح الأعمال، وأن يجعل حجهم مبرورًا، وسعيهم مشكورًا، وذنبهم مغفورًا، إن ربي خير مسؤول وأكرم مأمول، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.