Site icon صحيفة صدى نيوز إس

محكمة الأرواح العليا: حين ترافع العقل والقلب في القضية الأزلية للإنسان

 

بقلم: أحمد علي بكري

لم أكن أعلم، في بدايات إدراكي للحياة، أن الإنسان لا يعيش بعقلٍ واحد ولا بقلبٍ واحد، بل يعيش بانقسامٍ داخلي دائم، بانشطارٍ روحي يشبه وجود مملكتين داخل الجسد نفسه؛ مملكة تحكمها الحسابات والمنطق والخوف من السقوط، وأخرى تحكمها الرغبة والحنين والشغف والإيمان المستحيل بالأشياء حتى بعد موتها. ولم أكن أدرك أن أعنف الحروب التي عرفها البشر لم تكن الحروب التي سالت فيها الدماء فوق الأرض، بل تلك التي سالت بصمت داخل الأرواح، حين يقف العقل في جهة، والقلب في الجهة الأخرى، بينما تبقى الروح معلقةً بينهما كأرضٍ متنازع عليها لا تعرف لمن تنتمي. هناك، في أعماق الإنسان، تقوم محكمة خفية لا تنتهي جلساتها أبدًا، محكمة لا تحتاج إلى قضاة من البشر، لأن القاضي فيها هو الوعي نفسه، والجلاد فيها هو الندم، والشهود هم الذكريات التي لا تموت مهما حاول الزمن دفنها.

وفي تلك المحكمة الأزلية، وقف العقل يومًا ليرافع عن نفسه بعد قرونٍ طويلة من الاتهامات. لم يدخل كحكيمٍ متعالٍ كما تصوره الكتب، بل دخل كجنديٍ مرهق قضى عمره يحاول حماية إنسان لا يريد النجاة أحيانًا. كانت ملامحه باردة، نعم، لكن ذلك البرود لم يكن قسوة خالصة، بل نتيجة حروبٍ طويلة خاضها مع الخيبات. فالعقل لا يولد قاسيًا، بل تصنعه الصدمات. كل خيانة يراها تتحول داخله إلى قانون، وكل سقوط يشهده يصبح قاعدة جديدة للنجاة، حتى يتحول مع الوقت إلى حارسٍ متوتر يخشى على الإنسان من كل شيء. وقف أمام “قاضي الأرواح” وقال بصوتٍ يشبه التعب أكثر مما يشبه الكبرياء: “يا سيدي… لقد اتهمني البشر بأنني سبب تعاستهم، لكنهم لم يسألوا أنفسهم يومًا: من الذي كان يجمع بقاياهم بعد كل انهيار؟ من الذي كان يمنعهم من القفز نحو الهاوية حين يعميهم الحب؟ من الذي كان يوقظهم ليروا الحقيقة حين يصر القلب على تصديق الأوهام؟ لقد رأيت الإنسان يبكي على من أذله، ويتمسك بمن كسره، ويعود لمن حوّله إلى أنقاض، فقط لأن قلبه أقنعه أن الحب قادر على بعث الموتى من قبورهم. كنت أقول له: ارحل، فيقول القلب: انتظر قليلًا. كنت أقول له: هذه النهاية، فيهمس القلب: ربما يعود كل شيء كما كان. وهكذا ظل الإنسان عالقًا بين صوتي وصوته حتى أصبحت حياته دائرةً من الألم المؤجل.”

ثم رفع العقل عينيه نحو الإنسان الواقف في منتصف المحكمة، وقال بنبرةٍ أشد مرارة: “كم مرة حاولتُ إنقاذك؟ كم مرة أخبرتك أن بعض الناس لا يحبونك بل يحبون قدرتك على تحملهم؟ كم مرة أوضحت لك أن التضحية التي تقتلك ليست وفاءً بل انتحار بطيء؟ لكنك كنت تهرب مني دائمًا، لأن الحقيقة التي أقولها مؤلمة، بينما القلب يبيعك الوهم في هيئة أمل.” عندها ساد الصمت داخل القاعة، ذلك الصمت الذي يحدث حين يسمع الإنسان شيئًا يعرف في أعماقه أنه صحيح، لكنه لا يريد الاعتراف به.

لكن القلب لم يصمت طويلًا. نهض من مكانه ببطء، ولم يكن يبدو كمخلوقٍ طائش كما يصفه العقل، بل بدا ككائنٍ خرج من تحت أنقاض حربٍ طويلة وما زال ينزف رغم محاولاته الوقوف. كان يحمل في عينيه كل الحنين الذي عرفه البشر، وكل الرسائل التي لم تصل، وكل الاعتذارات التي جاءت متأخرة، وكل الأيدي التي تُركت معلقةً في الهواء دون أن تجد يدًا أخرى تمسك بها. وقف أمام المحكمة وقال بصوتٍ مرتجف: “يا سيدي… العقل يتحدث وكأن الإنسان خُلق فقط لينجو، لكنه لا يفهم أن النجاة وحدها ليست حياة. ماذا يفعل الإنسان بحياةٍ آمنة إن كانت خالية من الشعور؟ ماذا يبقى منه إذا عاش بمنطقٍ بارد يخاف فيه من الحب لأنه قد يؤلمه، ويخاف من الأحلام لأنها قد تفشل، ويخاف من البشر لأنهم قد يخذلونه؟ إن العقل يريد إنسانًا لا ينكسر، لكنه لا يدرك أن الإنسان الذي لا ينكسر أبدًا… لا يشعر أبدًا أيضًا.”

ثم اقترب القلب من الإنسان وقال له: “قل لهم… من الذي جعلك تشعر بأن للحياة معنى؟ هل كنت تحسب احتمالات الخذلان وأنت تعانق أمك؟ هل كنت تفكر في العواقب وأنت تبكي على صديقك الراحل؟ هل كان العقل هو من جعلك تسهر حتى الفجر تتحدث مع من أحببت، وتشعر أن العالم كله صار أخف وزنًا؟ أنا لست لعنة كما يظنون، أنا السبب في أن الإنسان ما زال قادرًا على رؤية الجمال رغم كل هذا الخراب.”

ضحك العقل عندها بسخرية موجوعة وقال: “بل أنت السبب في أن الإنسان يكرر أخطاءه بنفس الحماسة في كل مرة. أنت تجعل البشر يصدقون أن الذين كسروهم سيتغيرون، وأن الذين أهانوهم سيصبحون أوفياء فجأة، وأن الانتظار فضيلة حتى لو كان يسرق أعمارهم. أنت تجعلهم يعودون إلى الأبواب نفسها ثم تتفاجأ حين تنزف أرواحهم من جديد.”

رد القلب بغضبٍ يشبه البكاء: “وأنت ماذا تفعل؟ أنت تبني داخل الإنسان سجونًا من الخوف حتى يختنق. تجعل الحذر يتحول إلى عزلة، والكرامة تتحول إلى جدار، والتفكير يتحول إلى شك دائم. كم شخصًا قتلتَ أحلامه قبل أن تبدأ فقط لأن احتمالية الفشل موجودة؟ كم إنسانًا أقنعته أن يخفي مشاعره حتى أصبح عاجزًا عن الحب أصلًا؟”

وهنا بدأت المحكمة تهتز تحت ثقل الحقيقة، لأن الطرفين كانا يقولان الحقيقة في آنٍ واحد. العقل لم يكن شريرًا، والقلب لم يكن أحمقًا بالكامل، بل كان كلاهما يحاول حماية الإنسان بطريقته الخاصة. العقل يخاف عليه من الانهيار، والقلب يخاف عليه من التحول إلى حجر. العقل يريد النجاة، والقلب يريد المعنى، والإنسان المسكين يريد الأمرين معًا، ولهذا يعيش ممزقًا طوال عمره.

عندها استدعى “قاضي الأرواح” الشهود. فجاءت الذكريات أولًا، تمشي كالأشباح داخل القاعة. ظهرت وجوهٌ قديمة، وأصواتٌ نسيها الإنسان ظاهريًا لكنها ما زالت تعيش في أعماقه. ظهرت ليالٍ طويلة كان العقل يقنعه فيها بالنسيان، بينما القلب يعيد تشغيل الماضي كأن الزمن لم يتحرك يومًا. قالت الذكريات بصوتٍ واحد: “نحن الدليل الأكبر على أن الإنسان لا يُحكم بالعقل وحده. لو كان العقل أقوى دائمًا، لما بقيت بعض الوجوه حيّة داخل الروح رغم مرور السنوات.”

ثم دخلت الخيبات كشهودٍ آخرين. كانت وجوههم شاحبة كجنود عادوا من حربٍ بلا منتصر. قالوا: “نحن أبناء القلب حين يبالغ في التعلق، لكننا أيضًا أبناء العقل حين يبالغ في التخويف. القلب يصنعنا حين يحب بلا حدود، والعقل يصنعنا حين يمنع الإنسان من الحياة خوفًا من الألم.”

ثم دخلت الوحدة، وكانت أكثر الشهود رعبًا، لأنها لم تكن تصرخ، بل كانت هادئة بشكلٍ مخيف. قالت: “أنا الحقيقة التي يهرب منها الجميع. كثير من البشر لا يبقون في العلاقات لأنهم سعداء، بل لأنهم خائفون مني. القلب يتمسك أحيانًا بمن يؤذيه فقط كي لا يشعر ببرودة الفراغ، والعقل يبني الجدران العالية حتى ينتهي بالإنسان وحيدًا داخل حصنه.”

وهنا أدرك الإنسان شيئًا مرعبًا؛ أدرك أن حياته كلها كانت محاولة يائسة لتحقيق المستحيل: أن يحب دون أن يتألم، وأن ينجو دون أن يفقد قدرته على الشعور. لكنه نسي أن الحياة لا تمنح البشر هذا الترف. فالحياة ليست اختيارًا بين العقل والقلب، بل رحلة تعلم مستمرة لكيفية جعلهما يعملان معًا دون أن يدمر أحدهما الآخر.

نهض “قاضي الأرواح” أخيرًا، وكان حضوره أشبه بالحقيقة المطلقة حين تتجسد. قال بصوتٍ اخترق القاعة كلها: “لقد أخطأ البشر حين ظنوا أن اكتمالهم يكمن في انتصار أحدكما. العقل وحده قد يصنع إنسانًا ناجحًا، لكنه بارد كالمقابر. والقلب وحده قد يصنع إنسانًا مليئًا بالشغف، لكنه قابل للاحتراق في أي لحظة. أما الإنسان الحقيقي، فهو الذي يتعلم كيف يجعل العقل يحمي قلبه دون أن يخنقه، وكيف يجعل القلب يدفئ عقله دون أن يعميه.”

ثم تابع بصوتٍ أكثر عمقًا: “إن الحياة ليست حربًا بينكما، بل شراكة وجودية. العقل خُلق ليمنح الإنسان البصيرة، والقلب خُلق ليمنحه المعنى. فإذا انفصلتما، تحوّل الإنسان إلى نصف كائن؛ إما ناجٍ بلا روح، أو عاشق بلا نجاة.”

ارتجفت روح الإنسان وهو يسمع الحكم الأخير، لأنه أدرك للمرة الأولى أن السلام الداخلي لا يولد حين ينتصر العقل على القلب، ولا حين يسحق القلب العقل، بل حين يتوقف الاثنان عن التعامل مع بعضهما كعدوين. فالحياة في جوهرها ليست إلا محاولة مستمرة لتحقيق ذلك التوازن المستحيل تقريبًا؛ أن يشعر الإنسان بعمق دون أن يغرق، وأن يفكر بوعي دون أن يتجمد، وأن يحب دون أن يفقد نفسه، وأن يرحل حين يصبح البقاء إهانة دون أن يتحول إلى حجر لا يحنّ ولا يشتاق.

وفي نهاية الجلسة، لم يُعلن “قاضي الأرواح” منتصرًا. لم يمنح العقل وسام الحكمة المطلقة، ولم يمنح القلب لقب الشهيد الأبدي للحب، لأن الحقيقة كانت أعقد من ذلك بكثير. الحقيقة أن الإنسان سيظل طوال حياته يعود إلى هذه المحكمة، كلما أحب، وكلما خاف، وكلما حاول الرحيل ثم عاد، وكلما أقنعه العقل أن ينسى بينما أصر القلب على التمسك بقشة الحب الأخيرة حتى لو كانت تغرق معه. وهكذا تستمر القضية الأزلية داخل صدر كل إنسان، قضية لا يُعرف فيها المنتصر الحقيقي، لأن العقل والقلب، رغم كل الحروب بينهما، ليسا خصمين في النهاية، بل نصفين متعبين لروحٍ واحدة تبحث عن السلام.

Exit mobile version