بقلم أ. غميص الظهيري
حين تتجه أنظار المسلمين إلى مكة المكرمة في أعظم رحلة إيمانية يشهدها العالم، وحين تمتزج دموع الخشوع بأصوات التلبية في مشهدٍ مهيبٍ تهتز له القلوب، يظهر رجالٌ وشبابٌ اختاروا أن تكون رسالتهم خدمة الإنسان قبل كل شيء… إنهم الكشافة، أولئك الجنود المجهولون الذين يصنعون بصمتٍ أعظم صور العطاء في موسم الحج.
ففي كل عام، ومع توافد ملايين الحجاج من مختلف بقاع الأرض، تسطع جهود جمعية الكشافة كواحدة من أبهى صور العمل التطوعي والإنساني. إنهم لا يحملون السلاح، بل يحملون الأخلاق، والصبر، والرحمة، وروح المسؤولية. يقفون في الميادين والمشاعر المقدسة ساعاتٍ طويلة تحت حرارة الشمس، لا ينتظرون شكراً ولا يبحثون عن شهرة، وإنما يسعون إلى نيل شرف خدمة ضيوف الرحمن.
وتتجلى عظمة دور الكشافة في الحج من خلال ما يقدمونه من خدمات إنسانية نبيلة، فهم يرشدون الحجاج التائهين، ويساعدون كبار السن والمرضى، وينظمون حركة المشاة، ويشاركون الجهات المعنية في إدارة الحشود، إضافة إلى دورهم الكبير في الإرشاد والتوعية وتقديم الدعم الميداني في مختلف المواقع.
ولعل من أعظم الأعمال التي يفتخر بها الكشافة مساهمتهم في إرشاد الحجاج المفقودين ولمّ شملهم بذويهم، حيث يتحول الكشاف إلى مصدر أمان وطمأنينة لحاجٍ أرهقه التعب وأقلقته الغربة والزحام. فما أجمل أن يرى الحاج وجهاً بشوشاً يرشده بلطف، ويساعده بمحبة، ويمنحه شعوراً بأن الإنسانية ما زالت بخير.
إن الكشافة في الحج لا يقدمون خدمة عابرة، بل يرسمون صورة مشرقة لقيم الإسلام السمحة التي تقوم على التعاون والتراحم والإحسان. فهم نموذج حيّ للشباب الواعي الذي أدرك أن خدمة الناس من أعظم القربات، وأن العمل التطوعي رسالة سامية تبني الأوطان وترفع من قيمة الإنسان.
كما أن التجربة الكشفية في الحج تُعد مدرسة عملية لتأهيل الشباب على القيادة وتحمل المسؤولية والعمل الجماعي. ففي خضم الحشود والزحام، يتعلم الكشاف الانضباط، وسرعة التصرف، والصبر، والتعامل الراقي مع مختلف الثقافات واللغات، مما يصنع منه شخصية قيادية ناضجة قادرة على مواجهة التحديات بثقة وحكمة.
ولأن الحج يمثل أعظم تجمع بشري في العالم، فإن مشاركة الكشافة فيه ليست عملاً عادياً، بل شرف عظيم ومسؤولية وطنية وإنسانية كبيرة. فهم يسهمون في إنجاح هذا الموسم المبارك، ويعكسون الصورة الحضارية للمملكة العربية السعودية في حسن التنظيم ورعاية ضيوف الرحمن.
إن ما يقدمه الكشافة في الحج يثبت أن العطاء الحقيقي لا يُقاس بحجم الكلمات، بل بحجم الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين. وكم من دعوة صادقة خرجت من قلب حاجٍ أنهكه التعب، فوجد في الكشاف عوناً وسنداً ورحمة.
وفي النهاية، تبقى جمعية الكشافة منارةً مشرقة للعمل التطوعي، ورمزاً للإنسانية والإخلاص، وستظل جهودهم في الحج صفحةً مضيئة تُكتب بحروف من فخر في سجل خدمة ضيوف الرحمن. فهم بحق جنود العطاء، وصناع الطمأنينة، وأبطال المواقف النبيلة الذين يعملون بصمت، لكن أثرهم يبقى عظيماً في القلوب.

