Site icon صحيفة صدى نيوز إس

عويشة بومدين… امرأة تحفظ الذاكرة وتزرع التراث في الأجيال

 بقلم الشاعر العصامي رابح. زعيط_ الجزائر

 مقدمتي ليها:

إلى المرأة التي جمعت بين قلم المعلم وصوت الشاعر،

إلى من جعلت من خيمتها البدوية مدرسة ثانية للموروث والأصالة،

إلى عويشة بنت تيارت، حاملة راية الكلمة الصادقة،

أقف اليوم لأكتب عنك، لا تكريماً فقط، بل وفاءً لما قدمتهِ لأجيال تربت على يديك، ولما حفظتهِ لنا من تراث كاد أن يضيع لولا أمثالك.

أنتِ الصوت الذي لا يهتز أمام الزيف، والكلمة التي تزن ميزانها قبل أن تخرج. أنتِ من جعلت تيارت تنطق في قصائدك، وجعلت الجزائر تسكن في وجدانك.

إن كتبت عنكِ اليوم، فليس لأوفيكِ حقك، فالحق أكبر من الحروف، وإنما لأقول للتاريخ: هنا كانت امرأة أحبت وطنها، ربّت أبناءه، وصانت لغته وشعره.

 من قسم الدراسة إلى منبر الشعر

عويشة ما كانتش غير مديرة مدرسة، كانت قبل كل شيء معلمة بالفطرة. سنوات وهي تربي في الأجيال، تعلم الصغير الكبير، وتزرع فيه حب اللغة، حب الوطن، وحب الأصل. التلاميذ تاعها يكبرو ويولو رجال ونساء، بصح كي يتلاقاو بيها يقولو “هادي هي أمنا الثانية”.

المنصب ما غيّرش فيها التواضع. بالعكس، خلاها تشوف بلي التربية ماشي غير في الكراس والقلم، التربية كاينة حتى في الكلمة، في الحكاية، وفي البيت الشعبي اللي يلم الناس.

 خيمة بدوية… وقلب مفتوح للجميع

عويشة آمنت بلي الموروث الشعبي ما يموتش كان نحافظو عليه. لذلك فتحت خيمتها البدوية، ماشي باش تتفرج فيها، بصح باش تعيش فيها وتخلي الناس تعيش معاها.

في الخيمة تلقى القصعة، البارود، قصص الأجداد، والشعر الملحون اللي يخرج من قلبها مباشرة. تستقبل الشباب، النساء، الضيوف من كل الولايات. تسمع، تحكي، تغني، وتمد الكلمة لكل واحد حاب يقول. الخيمة ولات مكان تلاقي بين الأجيال، وين الجد يحكي والحفيد يسمع، والشاعرة تلمهم بكلامها الرزين.

 صوت قوي وكلام يوزن

اللي يسمع عويشة أول مرة، يحس بلي الصوت هذا ماشي صوت عادي. صوتها قوي، فيه وقار، وفيه حنية في نفس الوقت. كلامها مشي تاع استعراض، كلامها تاع معنى. كي تهدر على تيارت تحسها تهدر على وليدها، وكي تهدر على الجزائر تحسها تهدر على الدار الكبيرة اللي تلم كل ولادها.

قصايدها قصص حية. تسمعها تحس روحك حاضر في الحدث، تشوف العرش، تسمع صهيل الخيل، وتشم ريحة التراب بعد الشتا. ما تخرجش من القصيدة إلا وانت عايشها.

تيارت في قلبها… والجزائر في عينها

عويشة ما تخبيش حبها لتيارت. تحكي على جبالها، على وادها، على ناسها، وعلى تاريخها اللي يرجع لعهد طاكفريناس. بصح حبها ما وقفش عند حدود الولاية. الجزائر كلها عندها وطن واحد، وتقولها بلا تردد: “أنا بنت تيارت، بصح أنا للجزائر”.

هاذ الحب بان في مشاركاتها الوطنية، في المهرجانات، في الأيام الثقافية، وفي كل بلاصة يطلبو فيها كلمة حق وكلمة أصل.

مكانة ما يجيبهاش غير العطاء

اليوم عويشة عندها مكانة عالية في المجتمع. الكبير يحترمها، الصغير يقدرها، والشباب يشوفو فيها قدوة. الجوائز والمشاركات بزاف، بصح هي تقول ديما “الجايزة الكبيرة هي دعوة واحد قاللي بارك الله فيك”.

محبوبة الجماهير ماشي بالصدفة. لأنها كانت ديما مع الناس، تسمع همهم، وترد عليهم بالكلمة الطيبة والشعر اللي يبرد القلب.

 إرث ماشي يموت

عويشة ماشي غير شاعرة، مكسب حقيقي للجمعية الجزائرية للادب الشعبي هي ذاكرة حية. كل قصيدة تقولها، كل حكاية تحكيها، هي محاولة باش ما يضيعش التراث. تعلم البنات يلبسو الحايك، تعلم الشباب يسمعو الملحون، وتقول ديما “اللي ما عندوش أصل، ما عندوش مستقبل”.

تيارت تفتخر بيها، والجزائر تفتخر بيها، والجيل اللي تربى على يديها راهو اليوم يرفد المشعل.

 خاتمة

وفي الأخير، ما نقول غير ربي يحفظك يا عويشة ويطوّل في عمرك.

أنتي شهادة حية بلي المرأة الجزائرية تقدر تكون أستاذة، شاعرة، وحارسة للتراث في نفس الوقت.

أنا شاهد على العطاء تاعك، وعلى التواضع اللي ما فارقكش رغم المكانة اللي وصلتي ليها.

وإن شاء الله يبقى اسمك محفور في ذاكرة تيارت، وفي قلوب كل من عرفك وسمع كلامك.

ربي يجازيك على كل حرف علمتيه، وكل بيت شعر قلتيه، وكل ابتسامة زرعتيها في وجه طفل أو كبير.

وتقعدي ديما… أم الناس، وصوت الأصل، ووجه تيارت الزين.

Exit mobile version