Site icon صحيفة صدى نيوز إس

أسرار الخزائن المنسية: لِمَ تتربع م

 

بقلم: أحمد علي بكري

تُعد منطقة الخليج العربي واحدة من أكثر بقاع الأرض فرادةً من الناحية الجيولوجية، فهي ليست مجرد مساحة صحراوية مترامية الأطراف تتوسط طرق التجارة العالمية، بل تمثل في الحقيقة “الخزان الأعظم للطاقة” على سطح الكوكب. والمفارقة المذهلة أن هذه المنطقة الصغيرة نسبياً، التي لا تتجاوز مساحتها نحو 3% من إجمالي مساحة اليابسة، تختزن وحدها ما يقارب 60% من احتياطي النفط العالمي المؤكد، بالإضافة إلى قرابة 40% من احتياطيات الغاز الطبيعي. هذه الأرقام ليست مجرد صدفة جغرافية عابرة، بل نتيجة سلسلة معقدة ودقيقة من الأحداث الجيولوجية التي امتدت لمئات الملايين من السنين، اجتمعت فيها ظروف نادرة بصورة تكاد تكون استثنائية على مستوى العالم.

لفهم هذا السر، لا بد من العودة بالزمن إلى عصور سحيقة، حين لم تكن هناك صحارى عربية ولا مدن نفطية ولا حتى شكل القارات الحالي. قبل ما بين 200 إلى 300 مليون سنة، كانت منطقة الخليج العربي جزءاً من بحر ومحيط عملاق يُعرف باسم “محيط تيثس”، وهو محيط قديم كان يفصل بين الكتل القارية الكبرى في العالم القديم. آنذاك، كانت المنطقة تقع بالقرب من خط الاستواء، ما جعل مياهها دافئة وضحلة وغنية بالحياة البحرية الدقيقة، خصوصاً العوالق النباتية والطحالب والكائنات المجهرية.

وهنا يبدأ أصل النفط الحقيقي، بعيداً عن الصورة الشعبية الخاطئة التي تربطه بالديناصورات. فمعظم النفط العالمي لم يتكون من الديناصورات أصلاً، بل من تلك الكائنات البحرية المجهرية التي كانت تعيش بأعداد هائلة في مياه تيثس. وعندما تموت، كانت أجسادها الدقيقة تغوص إلى قاع البحر. وفي الظروف الطبيعية، تقوم البكتيريا بتحليل هذه المواد العضوية، لكن ما حدث في الخليج كان مختلفاً بصورة حاسمة؛ إذ إن قاع ذلك البحر القديم كان فقيراً جداً بالأكسجين، وهي حالة تُعرف جيولوجياً باسم “البيئة اللاهوائية”.

في البيئات اللاهوائية يتوقف التحلل البيولوجي تقريباً، لأن البكتيريا الهوائية تحتاج إلى الأكسجين كي تؤدي وظيفتها. وهكذا تراكمت المواد العضوية عبر ملايين السنين دون أن تتحلل، مشكلة طبقات هائلة غنية بالكربون والطاقة الكيميائية المختزنة. هذه المرحلة تُعتبر الشرط الأول والأساسي لتكوين النفط، لأنك ببساطة تحتاج إلى “مادة خام” عضوية ضخمة قبل أي شيء آخر.

بعد ذلك بدأت مرحلة الدفن العميق. الأنهار والرواسب القادمة من القارات أخذت تكدس طبقات ضخمة من الطين والرمال فوق تلك المواد العضوية. ومع مرور الزمن ازدادت سماكة الطبقات الرسوبية وارتفع الضغط تدريجياً بشكل هائل، بالتزامن مع الحرارة الصاعدة من أعماق الأرض. هنا دخلت المواد العضوية فيما يشبه “مطبخ الأرض العملاق”.

تحت تأثير الضغط والحرارة، تحولت المواد العضوية أولاً إلى مادة تُعرف باسم “الكيروجين”، وهي مادة شمعية شبه صلبة تُعد المرحلة الوسيطة قبل تكوّن النفط. ثم ومع استمرار الدفن وارتفاع درجات الحرارة ضمن نطاق حراري معين يُعرف باسم “نافذة النفط”، بدأت جزيئات الكيروجين بالتكسر والتحول كيميائياً إلى هيدروكربونات سائلة وغازية، أي النفط والغاز الطبيعي.

المثير للاهتمام أن الخليج العربي لم يمتلك فقط كميات ضخمة من المواد العضوية، بل امتلك أيضاً نوعية استثنائية من “صخور المصدر”. ففي كثير من مناطق العالم، تُعتبر الصخور ممتازة إذا احتوت على 1% أو 2% فقط من المواد العضوية، بينما وصلت بعض صخور الخليج إلى نسب تفوق 13%، وهي أرقام مذهلة تعني أن المنطقة كانت غنية بشكل غير طبيعي بالمادة الخام اللازمة لتكوين النفط.

لكن تكوّن النفط وحده لا يكفي. فلو بقي النفط محصوراً في صخور المصدر الضيقة لما أمكن استخراجه اقتصادياً. هنا تبدأ المرحلة التالية: الهجرة النفطية. النفط والغاز أخف كثافة من الصخور والمياه المحيطة بهما، ولذلك أخذا بالتحرك تدريجياً إلى الأعلى عبر الشقوق والمسام الدقيقة داخل الطبقات الأرضية.

هذه الرحلة كانت ستنتهي بكارثة جيولوجية لو لم يجد النفط مكاناً يحتجزه. ففي كثير من مناطق العالم تسرب النفط إلى السطح عبر ملايين السنين، وتعرض للتبخر أو التحلل البكتيري، تاركاً خلفه رواسب قار وأسفلت عديمة القيمة الاقتصادية. أما في الخليج، فقد صادف النفط أثناء صعوده طبقات صخرية مثالية تُعرف باسم “صخور الخزان”.

وصخور الخزان في الخليج تُعد من أفضل الخزانات النفطية على وجه الأرض، خصوصاً الصخور الجيرية والرملية ذات المسامية العالية. هذه الصخور تعمل كالإسفنج العملاق؛ إذ تحتوي على ملايين الفراغات الدقيقة القادرة على استيعاب النفط والغاز بكميات هائلة، كما تسمح بحركتهما بسهولة نسبية داخلها. ولهذا السبب تُنتج حقول الخليج النفط بمعدلات ضخمة مقارنة بكثير من الحقول العالمية الأخرى.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك حقل الغوار، أكبر حقل نفط بري في العالم، والذي يعتمد بشكل رئيسي على تكوينات جيرية عالية الجودة سمحت بتجمع كميات هائلة من النفط في مساحة جيولوجية مركزة.

لكن حتى وجود صخور خزان ممتازة لا يكفي أيضاً. إذ كان لا بد من وجود “غطاء محكم” يمنع النفط من مواصلة الصعود إلى السطح. وهنا تظهر عبقرية التكوين الجيولوجي للخليج العربي. فقد تشكلت فوق الخزانات النفطية طبقات ضخمة من الملح والجبس، وهي صخور عديمة النفاذية تقريباً، تمنع تسرب النفط والغاز بشكل فعال.

الأكثر إدهاشاً أن الصخور الملحية تتمتع بخاصية فريدة؛ فهي لا تتشقق بسهولة كالصخور الصلبة الأخرى، بل تتصرف بطريقة لدنة تحت الضغط، أي أنها تنساب ببطء وتعيد سد أي تشققات قد تتكون بفعل الحركات الأرضية. ولهذا يشبهها بعض الجيولوجيين بغطاء “حلة الضغط” العملاق الذي حبس النفط لملايين السنين دون أن يسمح له بالهروب.

ثم جاءت المرحلة التي حولت هذه الموارد من مجرد انتشار واسع إلى حقول عملاقة مركزة يسهل استخراجها. عندما بدأت الصفيحة العربية تتحرك شمالاً وتصطدم بالصفيحة الأوراسية، حدثت عمليات طي وضغط هائلة للقشرة الأرضية، نتج عنها تكوّن “الطيات المحدبة” أو القباب الجيولوجية. هذه القباب أصبحت بمثابة مصائد طبيعية؛ إذ صعد النفط والغاز إلى أعلى النقاط داخلها واستقرا هناك بكثافة عالية.

لهذا السبب ظهرت حقول عملاقة مثل حقل الشمال وحقل بارس الجنوبي، وهما في الحقيقة خزان جيولوجي واحد يُعد أكبر حقل غاز طبيعي معروف في العالم.

ورغم أن مناطق أخرى في العالم امتلكت بعض هذه العوامل، فإن ما جعل الخليج العربي يتفوق بصورة كاسحة هو “الاستقرار الجيولوجي” طويل الأمد. فكثير من المناطق النفطية القديمة تعرضت لبراكين عنيفة أو زلازل مدمرة أو نشاط تكتوني قاسٍ أدى إلى تمزيق الأغطية الصخرية وتسريب النفط أو حرقه بحرارة باطن الأرض. أما الخليج العربي فقد بقي مستقراً نسبياً لمئات الملايين من السنين، ما سمح لهذه الثروات بالبقاء محفوظة في أعماق الأرض حتى اكتشافها في العصر الحديث.

إن النفط الخليجي ليس مجرد هدية عشوائية من الطبيعة، بل نتيجة منظومة جيولوجية معقدة اجتمعت فيها ظروف نادرة بصورة استثنائية: بحر قديم غني بالحياة، بيئة لاهوائية حفظت المادة العضوية، دفن عميق وفر حرارة مناسبة، خزانات صخرية هائلة، أغطية ملحية محكمة، مصائد جيولوجية ذكية، واستقرار أرضي طويل الأمد. هذا التوافق النادر جعل منطقة الخليج العربي تتحول إلى أعظم مستودع للطاقة عرفه الإنسان، وإلى قلب الاقتصاد العالمي الحديث لعقود طويلة.

Exit mobile version