بقلم: أحمد علي بكري
في مشهد يعكس الوعي المتنامي بأهمية البيئة والاستدامة، ويجسد حرص المؤسسات الحكومية على احتضان الطاقات الشابة والأفكار الواعدة، استقبلت أمانة منطقة جازان الطالب والباحث فارس بكري، أحد طلاب مدرسة ابن سينا المتوسطة، في زيارة معرفية وميدانية هدفت إلى الاطلاع على جهود التشجير بالمنطقة، وتعزيز ثقافة الوعي البيئي لدى النشء، ضمن توجهات وطنية تسعى لصناعة مستقبل أكثر اخضرارًا واستدامة.
وتأتي هذه المبادرة في وقت أصبحت فيه قضايا البيئة والتغير المناخي وزيادة الرقعة الخضراء من أبرز القضايا العالمية التي تحظى باهتمام الحكومات والمؤسسات والمجتمعات، لما لها من أثر مباشر على جودة الحياة وصحة الإنسان وتحسين المشهد الحضري. ومن هذا المنطلق، حرصت أمانة منطقة جازان على فتح أبوابها أمام الباحثين والمهتمين من فئة الشباب، إيمانًا منها بأن بناء الوعي يبدأ من الأجيال الصغيرة التي تمتلك الشغف والرغبة في التعلم والاكتشاف.
وخلال الزيارة، خاض الطالب فارس بكري جولة ميدانية شاملة داخل مرافق وقسم التشجير بالأمانة، تعرّف خلالها على آليات العمل اليومية والخطط التي تُنفذ لزيادة الغطاء النباتي في مدينة جازان ومحافظاتها، كما اطّلع على طرق اختيار الأشجار المناسبة لطبيعة المنطقة المناخية، والأساليب الحديثة المستخدمة في الري والمحافظة على النباتات، إضافة إلى الجهود التي تبذلها الفرق الميدانية للحفاظ على استدامة المساحات الخضراء وتحسين البيئة الحضرية.
كما التقى بعدد من المهندسين الزراعيين والمختصين في مجال التشجير والبيئة، حيث دار نقاش علمي ومعرفي تناول أهمية التشجير في الحد من التلوث وتحسين جودة الهواء وخفض درجات الحرارة، إلى جانب دوره الجمالي في صناعة بيئة حضرية أكثر راحة وجاذبية للسكان والزوار. وشهد اللقاء تبادلًا للأفكار والتجارب، في خطوة تؤكد أهمية ربط الطلاب بالخبرات الميدانية ومنحهم مساحة للاحتكاك المباشر بالتخصصات المهنية والعلمية.
ولم تكن الزيارة مجرد جولة تعريفية عابرة، بل حملت أبعادًا تربوية وثقافية عميقة، إذ تعكس اهتمام أمانة جازان بخلق جيل واعٍ بالقضايا البيئية، قادر على المساهمة مستقبلًا في دعم المبادرات الوطنية المتعلقة بالاستدامة والتشجير، خاصة في ظل ما تشهده المملكة العربية السعودية من مشاريع ضخمة وبرامج نوعية ضمن رؤية السعودية 2030، التي وضعت البيئة وجودة الحياة ضمن أولوياتها الكبرى.
وتؤكد هذه الخطوات أن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على البنية التحتية أو المشاريع العمرانية فحسب، بل يمتد إلى الاستثمار في الإنسان والمعرفة والوعي، لأن بناء مجتمع مستدام يبدأ بزرع الفكرة قبل زرع الشجرة، ويبدأ من تشجيع الباحث الصغير قبل الاحتفاء بالإنجاز الكبير.
وقد لاقت هذه المبادرة تفاعلًا وإشادة من المهتمين بالشأن البيئي والتعليمي، لما تحمله من رسالة إيجابية تؤكد أن المؤسسات الوطنية قادرة على صناعة تأثير حقيقي حين تفتح المجال أمام الشباب وتحتضن فضولهم العلمي وطموحاتهم المعرفية. كما تعكس الصورة الحضارية التي تسعى أمانة منطقة جازان إلى ترسيخها، باعتبار البيئة عنصرًا أساسيًا في التنمية الحديثة وجودة الحياة.
وفي ظل التحديات البيئية التي يشهدها العالم اليوم، تبقى مثل هذه المبادرات نموذجًا ملهمًا للتكامل بين الجهات الحكومية والمؤسسات التعليمية، من أجل صناعة وعي مجتمعي مستدام، وتعزيز ثقافة التشجير والمحافظة على البيئة لدى الأجيال القادمة، لأن كل شجرة تُزرع اليوم، هي رسالة حياة تمتد آثارها نحو المستقبل.

