Site icon صحيفة صدى نيوز إس

من دمشق الحكاية… وإلى فلسطين القصيدة حين يتحول المنفى إلى قصيدة… والحكاية إلى وطن

 

مجلس الحكواتي يستضيف الشاعر والإعلامي الفلسطيني زهير أحمد قاسم

في أمسيةٍ تتعانق فيها الكلمة مع الذاكرة، ويصافح فيها الحرف وجع الإنسان وأمل الوطن، يفتح “مجلس الحكواتي” أبوابه لاستضافة قامة أدبية وإعلامية حملت فلسطين في القلب، ونسجت من الحروف وطنًا لا يسقط من الذاكرة.

ضيفنا ليس مجرد شاعر يكتب القصيدة، بل حكّاء روح، وصوت إنسان، وقلم آمن بأن الأدب رسالة قبل أن يكون نصًا.

من دمشق السيدة زينب، حيث تتكئ الحكايات على صبر المنافي، يحلّ ضيفًا على “مجلس الحكواتي” الشاعر والكاتب والإعلامي الفلسطيني الأستاذ زهير أحمد قاسم؛ صاحب التجربة الثقافية الغنية، و مدير تحرير مجلة البنفسج الورقية، وعضو اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين، وصاحب الإصدارات التي لامست الإنسان والوطن والحب والخذلان.

في “مجلس الحكواتي” لا نطرح الأسئلة فقط…

بل نفتّش عن الحكاية خلف الحبر، وعن الإنسان خلف الشهرة، وعن الوجع الذي يصنع الشعراء.

سين وجيم الحكواتي مع الشاعر زهير أحمد قاسم

س1:

الحكواتي يبدأ من السؤال الأهم…

من هو زهير أحمد قاسم بعيدًا عن الألقاب والمنابر؟

ج1:

أنا إنسان قبل أن أكون شاعرًا أو إعلاميًا، أبحث عن المعنى في التفاصيل الصغيرة، وأحاول أن أكتب ما لا يُقال بصوتٍ عالٍ.

اسمي مجرد بداية، أما حقيقتي فهي تلك المسافة بين الذاكرة والمنفى.

أحمل فلسطين في داخلي كما تحمل القصيدة، لا كهوية فقط، بل كحالة شعورية دائمة، وأحاول أن أكون صادقًا مع الإنسان في كل ما أكتب أو أقول.

س2:

وُلدتَ فلسطينيًا وعشتَ تفاصيل اللجوء والمنفى…

كم أخذت منك الغربة؟ وكم أعطتك القصيدة؟

ج2:

لم أولد في فلسطين، إنما وُلدت في الشتات، لكن فلسطين كانت حاضرة في البيت والذاكرة والوعي قبل أن أراها، لذلك كان المنفى بالنسبة لي واقعًا موروثًا أكثر من كونه تجربة شخصية مباشرة.

الغربة لم تأخذ مكانًا فقط، إنما صنعت نوعًا من البحث الدائم عن الجذور والمعنى والانتماء، وفي المقابل منحتني القصيدة مساحة لأفهم هذا التشتت وأحوّله إلى لغة، وأن أقترب من فلسطين بالكلمة حين تعذّر الاقتراب منها بالمكان.

س3:

بين الشاعر والإعلامي والكاتب…

أيُّهم يشبهك أكثر حين تُغلق الأبواب وتبقى وحيدًا مع نفسك؟

ج3:

حين تُغلق الأبواب ويهدأ الضجيج، لا أجد نفسي في قوالب الألقاب بقدر ما أجدها في لحظة صدق عارية.

لكن أقرب ما يشبهني حينها هو الشاعر، لأنه الكائن الذي لا يحتاج جمهورًا ولا منصة، يكفيه أن يواجه نفسه.

الإعلامي والكاتب جزء من عملي ومساري، أما الشاعر فهو ذلك الصوت الداخلي الذي لا أستطيع إسكاته، والذي يظهر حين تختفي كل الأدوار الأخرى، ويترك الإنسان وحده مع ذاكرته وأسئلته.

س4:

في اقتباسك الجميل:

“كلمة تنبض بالصدق… وقلم يكتب من قلب الإنسان وقضية الوطن.”

هل ما زال الأدب قادرًا على حماية الإنسان من قسوة هذا العالم؟

ج4:

بصراحة، الأدب اليوم لا يعيش في موقع الحماية بالمعنى المباشر، لكنه ما زال مساحة مقاومة داخل الإنسان.

صحيح أنه لا يوقف القسوة، لكنه يكشفها ويمنحها اسمًا وصوتًا بدل أن تبقى غامضة وثقيلة بلا معنى.

في عالم سريع ومزدحم، قد يبدو الأدب أضعف من أن يغيّر الواقع، لكنه في الحقيقة يغيّر طريقة رؤيتنا له، وهذا بحد ذاته شكل مختلف من الصمود؛

أن لا نفقد حساسيتنا، وأن لا نتعوّد على الألم كأنه أمر عادي.

س5:

مجلة البنفسج الورقية أصبحت اسمًا حاضرًا في المشهد الثقافي…

ماذا أعطت “البنفسج” للكاتب زهير؟

وهل أنصف الإعلام الثقافي اليوم الأقلام الحقيقية؟

ج5:

البنفسج بالنسبة لي ليست مجرد مجلة أعمل بها، بل مساحة تشبه البيت الثقافي الذي يسمح للكلمة أن تتنفس بهدوء بعيدًا عن ضجيج السرعة والاستهلاك.

لقد منحتني فرصة أن أكون قريبًا من النصوص، لا ككاتب فقط، بل كقارئ أول لها، وكشاهد على ولادة أفكار وتجارب مختلفة.

كما منحتني مسؤولية أكبر تجاه الكلمة؛ أن تُقدَّم بصدق، وأن تُعامل باعتبارها قيمة لا مادة عابرة.

أما الإعلام الثقافي اليوم فهو متباين؛ فيه محاولات صادقة تحاول أن تنصف الأصوات الحقيقية، وفيه أيضًا الكثير من الانشغال بالضوء السريع على حساب العمق، لذلك تبقى العدالة فيه غير مكتملة، ويظل الرهان الحقيقي على المبادرات الجادة التي تؤمن بالثقافة كقيمة لا كواجهة.

س6:

أنت مدير تحرير وتتابع النصوص يوميًا…

برأيك، ما أكثر ما ينقص الكاتب العربي الشاب اليوم؟

الموهبة؟ أم القراءة؟ أم الصبر الطويل؟

ج6:

لا تكمن الإشكالية الأساسية لدى الكاتب العربي الشاب في نقص الموهبة، فهي حاضرة وبوضوح، كما لا يمكن اختزالها في ضعف القراءة فقط، وإن كانت القراءة شرطًا تأسيسيًا لا غنى عنه.

لكن العامل الأكثر تأثيرًا اليوم يتمثل في غياب الصبر الإبداعي؛ أي القدرة على منح النص الزمن الكافي للنضج، وعلى خوض تجربة الكتابة بوصفها عملية تراكمية تتطلب إعادة صياغة وتجريبًا مستمرًا، لا إنتاجًا سريعًا يبحث عن الظهور الفوري.

الكتابة تحتاج إلى وقت كي تتبلور، وإلى نفس طويل يسمح بتحوّل التجربة الفردية إلى نص أكثر عمقًا.

س7:

هناك من يكتب ليصفّق له الناس…

وهناك من يكتب لينجو من ألمه…

إلى أي الفريقين ينتمي زهير أحمد قاسم؟

ج7:

لا أكتب من أجل التصفيق، لكن أيضًا لا أختزل الكتابة في فكرة النجاة من الألم.

أنا أكتب لأن الكلمة هي طريقتي لفهم العالم، وتحمل ما لا يمكن تجاوزه بصمت.

س8:

في أعمالك الأدبية نلمح حضور المرأة والوطن والحزن بشكل لافت…

هل الحزن وقود الشاعر الحقيقي؟

ج8:

لم يكن الحزن وحده وقود الشاعر، لكنه أحد أعمق مصادر الرؤية.

الشعر لا يولد من الحزن فقط، بل من القدرة على تحويله إلى معنى، لا إلى استسلام.

س9:

لو طلبنا منك أن تختصر فلسطين بكلمة واحدة…

فماذا سيقول زهير؟

ج9:

الجرح.

س10:

ما الذي تخشاه على الثقافة العربية اليوم؟

ج10:

أخشى عليها من فقدان المعايير، حين يصبح الصوت العالي بديلًا عن القيمة، والانتشار بديلًا عن الجودة.

س11:

هناك كتّاب كثيرون يرحلون بصمت رغم موهبتهم…

برأيك، لماذا يخسر الأدب أبناءه أحيانًا؟

ج11:

ليس الأدب هو من يخسر أبناءه، بل أحيانًا الواقع الثقافي لا يمنحهم المساحة الكافية للاستمرار.

غياب الدعم، وضغط العيش، وضعف المنصات الجادة، كلها تجعل بعض الأصوات تتراجع أو تنطفئ قبل أن تكتمل تجربتها.

س12:

كيف يرى الأستاذ زهير “مجلس الحكواتي” كمنصة ثقافية وإنسانية؟

وما الذي يميّزه عن بقية الحوارات التقليدية؟

ج12:

بصراحة، لا أراه إلا مساحة تعيد الاعتبار للحكاية قبل السؤال، وللإنسان قبل العنوان.

وما يميّزه أنه لا يكتفي بإنتاج إجابات جاهزة، بل يحاول الاقتراب من التجربة الإنسانية خلف النص، وهذا ما يختلف به عن الحوارات التقليدية التي تكتفي بالتصريحات.

س13:

الحكواتي لا يمرّ دون أن يسأل عن الحكمة…

ما النصيحة التي يوجّهها زهير أحمد قاسم للكتّاب الشباب الذين يحاولون إثبات أصواتهم؟

ج13:

أن يكتبوا بصدق، لا باندفاع نحو الضوء، وأن يمنحوا نصوصهم وقتها الطبيعي للنضج.

س14:

أيُّ كتاب، أو موقف، أو إنسان غيّر حياتك الأدبية بالكامل؟

ج14:

لم يغيّر حياتي الأدبية كتاب أو شخص بعينه، بل التجربة نفسها بكل ما فيها من قراءة وخسارات ومواجهات داخلية.

التحوّل الحقيقي يأتي من الحياة حين تجبرك على الكتابة، لا حين تختارها فقط.

س15:

لو عاد بك الزمن إلى البدايات…

هل كنت ستختار الطريق ذاته رغم التعب والخسارات؟

ج15:

نعم، فهذا الطريق لم يكن خيارًا بقدر ما كان قدرًا داخليًا.

فالتعب جزء من التجربة، ومن دونه ما كانت لتتشكل الكتابة بهذا الشكل.

س16:

وأخيرًا…

ماذا يريد زهير أحمد قاسم أن يترك خلفه حين تنتهي الرحلة؟

ج16:

أن تبقى بعض الكلمات قادرة على تذكير القارئ بأن الإنسان لم يكن عابرًا تمامًا، وأن صوته لم يضع في الزحام.

هكذا انتهت جلستنا…

لكن بعض الحكايات لا تنتهي؛ لأنها لا تُقال بالكلمات فقط، بل تُحَسّ في نبرة الصوت، وفي ارتجافة الذاكرة، وفي صدق العيون.

في حضرة الشاعر والإعلامي الفلسطيني زهير أحمد قاسم، أدركنا أن الأدب الحقيقي ليس ترفًا لغويًا، بل شهادة إنسان، وأن القصيدة قد تكون وطنًا حين تضيق الأوطان.

كل الشكر والتقدير لضيف “مجلس الحكواتي” على هذه الرحلة المليئة بالصدق والبوح والجمال، وعلى قلبٍ ما زال يؤمن أن الكلمة النبيلة تستطيع أن تُبقي الإنسان حيًا رغم كل شيء.

كما نتقدّم بالشكر للأستاذ زهير أحمد قاسم على كلماته الراقية بحق “مجلس الحكواتي”، وتقديره لهذا الحوار الذي حاول أن يقترب من الإنسان خلف النص، لا من العنوان فقط.

دمتم للحرف أوفياء…

وللحكاية أوطانًا لا تغيب.

كتب الحوار:

فايل المطاعني

— الحكواتي

Exit mobile version