بقلم الشاعر العصامي رابح زعيط _ الجزائر
هناك رجال إذا مشيت معهم شعرت أن التاريخ يمشي إلى جانبك، وإذا سمعت كلامهم أيقنت أن الأرض تتكلم بلسانهم.
ومن هؤلاء القامة الأدبية الشامخة *الشاعر الشعبي امهاني عامر احمد*، ابن *بوسعادة* البار، الذي جعل من الكلمة سلاحاً، ومن الحنين قصيدة، ومن حب الوطن ديناً لا يُقضى.
ليس كل من كتب شعراً يُقال عنه شاعر، ولا كل من صدح بصوته يُقال عنه صاحب رسالة.
أما امهاني، فهو من القلائل الذين اجتمع فيهم الأصل والصدق والوفاء للتراب.
يلتقيه المرء فيلتقي بجيل كامل من الرجال الذين تربّوا على خبز الدار، وماء البئر، وحرقة النخل في الصحراء.
*اللقاء الذي لا يُنسى*
أتاح لي القدر أن ألتقيه مرة في *سور الغزلان*، ضمن فعاليات *مهرجان اوزيا – الملتقى السادس العربي للأدب الشعبي*.
ومن يومها لم أندم لحظة على هذه المعرفة، بل أعتبرها مكسباً حقياً.
لأني كسبت معرفة رجل، وبقيت الذكريات الجميلة مع هذا الإنسان المحترم خالدة في البال.
هناك رأيت كيف يُحترم الرجل قبل أن يُحترم شعره.
الشيوخ ينصتون له كأنه شيخهم، والشباب يتجمّعون حوله كأنه أستاذهم، والضيوف من مختلف الدول العربية يفهمون ولو لم يفهموا كل كلمة، لأن الصدق لا يحتاج ترجمة.
*شاعر الوطن وبوسعادة*
منذ أول قصيدة إلى آخر بيت، لم يخرج امهاني عامر احمد عن دائرتيه المقدستين: *الجزائر* و *بوسعادة*.
الجزائر في شعره هي الأم التي لا تُخان، والثورة التي لا تُنسى، والشهداء الذين لا يموتون.
وبوسعادة عنده ليست مدينة على الخريطة، بل هي رئته التي يتنفس بها، ودمه الذي يجري في عروقه.
يقولها بلا مواربة:
_”ما نقدرش نفارق بوسعادة ولو بأمتار… بوسعادة هي الأكسجين اللي نتنفسو”_
وفيها من الوفاء ما يجعل الحجر ينطق.
ولذلك تجد في شعره ذلك المزج العجيب بين فخر ابن الصحراء، وحنين ابن الواحات، وغيرة ابن الوطن على تاريخه.
هو يقولها بصراحة وحرقة:
_”بوسعادة حرقت قلبي… أنا ولد الصحراء”_
جملة واحدة تكفي لتعرف أن هذا الرجل لا يكتب بالحبر، بل يكتب بقلبه المحروق على بلاده.
*القصيدة سلاح والشاعر جندي*
واللي حضر لامهاني كي يقرا قصايد الثورة، يفهم بلي الراجل هذا ما يقراش باش يسمعوه.
يقرا باش يعيش اللحظة، ويعيشها فيك أنت ثاني.
كي يبدا في قصيدة على أول نوفمبر، يتغيّر.
يوقف وقفة صارمة، عينيه يولو ثاقبة، وصوتو يطلع ويولي أقوى من البارود.
كل كلمة تخرج من فمو كأنها دبابة قتال دخلت المعركة.
تحسّ روحك واقف في ساحة الحرب، لا في قاعة مسرح.
في اللحظة هذيك ما يعودش شاعر برك، يولي جندي.
مهيّئ نفسو للحرب دفاعاً عن العرض، عن الأرض، عن الكرامة.
وما دام القصيدة كلها على هذي الشاكلة، فما بالك كي يكملها كاملة؟
يخليك واقف، ما تقدرش تقعد، لأنو الكلام يرفدك رفد.
*رسالة من الجبال الشاهقة*
وعادة امهاني اللي يعرفها القريب والبعيد، إنو يحب يقرا قصايدو في *الجبال الشاهقة*.
ما يختارش القاعات المغلقة ديما. يطلع للعلى، ويصدح بصوتو وسط الهواء الطلق.
وهذا مش صدفة.
هو برسالة عملية يقول للعالم:
*”حنا دوما في الأعلى… ما ننزلوش، ما ننكسرش، ما نركعوش”*.
الجبال تشهدلو، والريح تردّ صوتو، والسماء تكون شاهدة بلي الكلمة اللي طالعة من قلب حر، ما يوقفها لا حيط ولا حد.
كيما وقف أجدادنا في الجبال يحاربو بالسلاح، هو واقف اليوم يحارب بالكلمة. والسلاحين كيف في القيمة.
*خاتمة وإهداء*
امهاني عامر احمد ليس مجرد شاعر شعبي.
هو ذاكرة حية لبوسعادة، وصوت صادق للجزائر، ورجل من طينة الرجال الذين إذا غابوا افتقدهم الوطن.
تحترمه الخلائق لأنه لم يساوم، ولم يبدّل، ولم يبع كلمته في سوق الشهرة.
بقي وفيّاً لبوسعادة، وفيّاً للثورة، وفيّاً لنفسه.
وكما قالها هو بلسانه:
*”أنا ولد الصحراء… وبوسعادة حرقت قلبي”*
فحقّ لنا أن نقول:
وبوسعادة أيضاً حرقت قلبها عليه، فخلّدته في شعرها، وخلّدها في شعره.
*إهداء:*
إلى الشاعر *امهاني عامر احمد*، وفاءً لمعرفة الرجال، واعتزازاً بصوتٍ لم ينكسر يوماً.