Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الدونية الرقمية وعصر تعفن الدماغ: كيف سرقت الخوارزميات ذواتنا وجعلتنا مدمنين للتفاهة؟

 

بقلم: أحمد علي بكري

لم تعد الأزمة الحقيقية في عصرنا هي الحروب ولا الفقر ولا حتى الأوبئة التقليدية، بل أصبحت الأزمة الأعظم هي انهيار الإنسان داخلياً وهو يبتسم أمام الشاشة. لقد دخل البشر إلى العصر الرقمي وهم يظنون أنهم يمتلكون التقنية، لكن ما حدث فعلياً هو أن التقنية امتلكتهم بهدوء. لم تعد الهواتف أدوات نستخدمها، بل تحولت تدريجياً إلى بيئات نفسية كاملة تعيد تشكيل وعينا ومشاعرنا ونظرتنا لأنفسنا وللعالم. نحن لا نحمل التطبيقات داخل أجهزتنا فقط، بل نحملها داخل أدمغتنا، داخل تقديرنا لذواتنا، داخل علاقتنا بالحب والجمال والنجاح وحتى داخل مفهومنا للسعادة.

لقد كان الإنسان قديماً يعرف نفسه من خلال التجربة الواقعية؛ يرى ذاته عبر العائلة والعمل والعلاقات والإنجاز الحقيقي. أما اليوم، فقد أصبح يرى نفسه من خلال انعكاس رقمي هش تصنعه الخوارزميات. وهنا ولدت أخطر ظاهرة نفسية معاصرة: “الدونية الرقمية”، وهي ليست مجرد شعور عابر بالنقص، بل حالة حضارية كاملة يتحول فيها الإنسان إلى مشروع مقارنة دائم، يعيش حياته وهو يشعر بأنه أقل من الجميع مهما امتلك ومهما حقق.

إن المأساة الكبرى لا تكمن في وجود أشخاص أجمل أو أغنى أو أنجح، فهذا موجود منذ بدء التاريخ، بل تكمن في أن العقل البشري لم يُخلق ليتعامل مع هذا السيل الهائل من المقارنات اليومية. الإنسان تطور نفسياً عبر آلاف السنين داخل مجتمعات صغيرة محدودة، وكانت المقارنة الاجتماعية جزءاً طبيعياً من بقائه؛ يقارن نفسه بأبناء قريته أو أفراد قبيلته، لكن الخوارزميات فجرت هذا النظام النفسي القديم بالكامل. فجأة أصبح الشاب العادي في غرفة صغيرة يقارن حياته بمليون إنسان حول العالم خلال دقائق معدودة؛ يرى رجل أعمال في دبي، ومؤثرة في ميامي، ولاعباً في مدريد، ومراهقاً يملك سيارة فارهة في طوكيو، فينشأ داخله شعور خفي بأن العالم كله يركض نحوه النجاح بينما هو وحده المتأخر.

وهنا تظهر الخدعة الفلسفية الكبرى للعصر الرقمي؛ فنحن لا نقارن “حياتنا” بحياة الآخرين، بل نقارن حقيقتنا بكذبتهم المنتقاة بعناية. نحن نرى اللقطة النهائية ولا نرى الفوضى خلف الكاميرا. نرى الابتسامة ولا نرى الاكتئاب، نرى السفر ولا نرى الديون، نرى الجسد المثالي ولا نرى الفلاتر والعمليات والتعديلات. لقد تحولت المنصات إلى مسارح عالمية يتنافس فيها الجميع على تمثيل دور “الإنسان السعيد”، بينما الحقيقة أن أغلب هؤلاء يهربون من فراغهم الداخلي بنفس الطريقة التي نهرب بها نحن.

إن أخطر ما فعلته الخوارزميات أنها لم تكتفِ بسرقة وقت الإنسان، بل سرقت معايير قيمته الذاتية. في السابق، كان الإنسان يكتسب احترامه لنفسه عبر أخلاقه وعلمه وعلاقاته وعمقه الإنساني، أما اليوم فقد أعادت المنصات تعريف القيمة بلغة رقمية باردة: عدد الإعجابات، عدد المشاهدات، عدد المتابعين. وهكذا تحوّل الإنسان من كائن روحي وفكري معقد إلى “رقم قابل للقياس”. أصبح المراهق يشعر أنه غير مرئي إن لم يحصد التفاعل، وتشعر الفتاة بأنها أقل جمالاً إن لم تتلقَّ الإعجاب الرقمي المتوقع، بل إن بعض الناس باتوا يعيشون لحظاتهم لا ليستمتعوا بها، بل ليوثقوها كي يثبتوا للآخرين أنهم سعداء.

وهذه إحدى أكثر المفارقات عبثية في تاريخ البشرية؛ فنحن نعيش في أكثر العصور اتصالاً رقمياً، لكننا في الوقت نفسه نعيش أكثر حالات الوحدة النفسية عمقاً. لقد أصبح الإنسان محاطاً بالناس افتراضياً لكنه فارغ عاطفياً، يعرف أخبار الجميع لكنه لا يعرف نفسه، يراقب العالم طوال اليوم لكنه عاجز عن الجلوس مع ذاته لعشر دقائق دون قلق أو ملل أو رغبة قهرية في التقاط الهاتف.

إن المحتوى التافه لم ينتشر لأن البشر أصبحوا أغبياء فجأة، بل لأن التفاهة أصبحت وظيفة نفسية واقتصادية في آن واحد. العقل المرهق من المقارنات والدونية يبحث عن مخدر سريع يهرب به من شعوره بالعجز، وهنا تتدخل المقاطع القصيرة باعتبارها جرعات دوبامينية رخيصة تمنح الإنسان متعة خاطفة بلا جهد فكري. الضحكة السريعة، الرقصة العابرة، المقطع العبثي، الجدل السطحي، كلها ليست مجرد تسلية بريئة كما يظن البعض، بل أدوات تخدير عصبي مؤقتة تهرب بالإنسان من مواجهة واقعه الداخلي.

وهنا ندخل إلى مفهوم “تعفن الدماغ”، وهو ليس تعبيراً ساخراً فحسب، بل توصيف دقيق لانهيار القدرة الذهنية الناتج عن الاستهلاك المستمر للمحتوى السريع. الدماغ البشري بُني على التأمل والتركيز والتدرج، لكن المقاطع القصيرة تعيد برمجته على السرعة والتشتت واللهاث المستمر وراء التحفيز اللحظي. ولذلك أصبح كثير من الناس عاجزين عن قراءة كتاب طويل، أو مشاهدة محاضرة عميقة، أو حتى إكمال حوار هادئ دون تفقد الهاتف كل دقائق. لقد تآكلت قدرتنا على الصبر العقلي، وأصبح العقل الحديث يشبه طفلاً مدللاً يريد مكافأة فورية كل لحظة.

الأخطر من ذلك أن الخوارزميات لا تعمل بحياد أخلاقي، فهي لا تسأل: “ما الذي يفيد الإنسان؟”، بل تسأل فقط: “ما الذي يبقيه أطول وقت ممكن داخل التطبيق؟”. وهنا تكمن المأساة الحضارية. فالمنصة لا تكسب المال عندما تصبح أكثر هدوءاً واتزاناً ووعياً، بل تربح حين تصبح أكثر قلقاً وتوتراً وإدماناً. الإنسان المتزن يغلق الهاتف ويعيش حياته، أما القلق والمضطرب والمهووس بالمقارنة فيبقى متصلاً لساعات، ولهذا تُكافأ المحتويات التي تثير الغرائز والانفعالات السريعة والخوف والحسد والفضول الرخيص.

لقد دخلنا عصراً أصبحت فيه التفاهة أكثر ربحية من الحكمة، وأصبح صاحب الضجيج أعلى صوتاً من صاحب الفكرة، وصارت الخوارزمية تصنع المشاهير كما تصنع المصانع السلع الاستهلاكية. لم يعد النجاح مرتبطاً بالقيمة الحقيقية بقدر ارتباطه بالقدرة على جذب الانتباه. ولذلك نشهد صعود شخصيات فارغة جماهيرياً بينما يتوارى المفكرون والعلماء والمبدعون الحقيقيون في الظل، لأن العمق يحتاج وقتاً وتأملاً، بينما الاقتصاد الرقمي قائم على السرعة والانفعال.

ومن الناحية الفلسفية، فإن الإنسان المعاصر يعيش أزمة هوية غير مسبوقة؛ لأنه فقد المسافة بين ذاته الحقيقية وذاته المعروضة. لقد أصبح كثير من الناس يمثلون أنفسهم حتى أمام ذواتهم. يختارون ملابسهم وصورهم وسفراتهم وحتى آرائهم بناءً على “قابليتها للنشر”، لا بناءً على حقيقتها أو انسجامها مع شخصياتهم. وهكذا يتحول الإنسان بالتدريج إلى مشروع تسويق مستمر، ويعيش داخل قلق دائم اسمه: “كيف أبدو؟” بدلاً من السؤال الأعمق: “من أنا؟”.

إن الرأسمالية الرقمية لم تعد تبيعنا المنتجات فقط، بل أصبحت تبيعنا أنماطاً كاملة من الشعور بالنقص. الإعلان الحديث لا يقول لك مباشرة: “اشترِ هذا”، بل يجعلك تشعر أولاً بأنك غير كافٍ بدون هذا الشيء. تشعر أنك أقل جاذبية، أقل نجاحاً، أقل قيمة، ثم يقدم لك المنتج أو النمط أو المؤثر باعتباره الحل. وهكذا تتحول الدونية إلى وقود اقتصادي ضخم يدفع البشر للاستهلاك المستمر.

وفي المجتمعات العربية والخليجية تحديداً، تتضخم هذه الأزمة بسبب الثقافة الاجتماعية القائمة على المقارنة بالمظاهر؛ فالفرد لا يقارن نفسه بنفسه فقط، بل بعائلته وأقاربه وأبناء جيله. ومع وجود المنصات، تحولت الحياة إلى معرض مفتوح للمنافسة الاجتماعية؛ سيارة أفخم، سفر أكثر، زفاف أكبر، منزل أوسع، جسد أجمل، وهكذا يدخل الإنسان في سباق استنزاف لا نهاية له. المشكلة أن هذا السباق لا يخلق السعادة، بل يخلق الاعتياد، فالإنسان يتعود بسرعة على أي مستوى من الرفاهية ثم يعود للشعور بالنقص من جديد.

ولذلك فإن الأزمة الحقيقية ليست في الهاتف ذاته، بل في الفراغ الوجودي الذي تستغله الخوارزميات. الإنسان الذي لا يعرف قيمته الداخلية يصبح فريسة سهلة لأي نظام رقمي يعرض عليه قيمة بديلة. ولهذا فإن العلاج لا يبدأ بإغلاق التطبيقات فقط، بل بإعادة بناء الإنسان من الداخل؛ إعادة تعريف النجاح، وإعادة اكتشاف المعنى، واستعادة القدرة على العيش بعيداً عن التقييم الجماهيري المستمر.

إن الصيام الرقمي ليس رفاهية، بل محاولة لإنقاذ الإدراك البشري من التشوه. الجلوس مع العائلة دون هاتف، المشي بصمت، قراءة كتاب، الصلاة بتأمل، الحديث الحقيقي مع صديق، التأمل في الطبيعة، كلها ليست أفعالاً بسيطة كما تبدو، بل مقاومة حضارية ضد نظام عالمي يريد للإنسان أن يبقى مشتتاً وضعيف الانتباه وسهل التوجيه.

لقد أقنعتنا الخوارزميات أن الحياة الحقيقية موجودة داخل الشاشة، بينما الحقيقة أن الشاشة تبتلع الحياة نفسها. والإنسان الذي يفقد علاقته بذاته يصبح قابلاً لإعادة التشكيل من أي جهة تملك انتباهه. لذلك فإن أخطر استعمار في عصرنا ليس استعمار الأرض، بل استعمار الوعي.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر رعباً: إذا أُغلقت كل المنصات فجأة، هل سنعرف من نكون حقاً؟ هل سنمتلك أحلاماً خاصة بنا؟ هل سنعرف كيف نعيش دون جمهور؟ هل سنشعر بقيمتنا دون إعجاب رقمي؟ إن كان الجواب لا، فالمشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في أن إنسان العصر الحديث سلّم مرآته الداخلية للخوارزمية، والخوارزمية لا ترى فينا أرواحاً أو عقولاً أو كرامة، بل ترى “وقت مشاهدة” يمكن بيعه للمعلنين. وفي اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مجرد منتج داخل سوق الانتباه، يبدأ بالتدريج في خسارة أكثر ما يميزه كبشر: حريته الداخلية.

Exit mobile version