Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الماء الذي لا ينقطع… قصة عطاء المملكة لضيوف الرحمن

 

بقلم أ. غميص الظهيري

في كل عام، تتجه أنظار المسلمين إلى مكة المكرمة، حيث تتجلى أعظم رحلة إيمانية على وجه الأرض، رحلة الحج التي يجتمع فيها ملايين البشر على اختلاف لغاتهم وألوانهم وأوطانهم، توحدهم التلبية ويجمعهم مقصد واحد. وخلف هذه الصورة الروحانية المهيبة تقف المملكة العربية السعودية بجهدٍ استثنائي وعملٍ متواصل لا يعرف التوقف، سخّرت فيه الإمكانات البشرية والتقنية والمالية لخدمة ضيوف الرحمن، حتى أصبحت خدمة الحجاج رسالة وطن وشرف قيادة ومسؤولية شعب.

ولعل من أعظم صور هذه الخدمة، وأكثرها حضورًا في حياة الحاج اليومية، تلك النعمة التي قد لا يتوقف عندها كثيرون رغم أنها ترافقهم في كل خطوة: نعمة الماء. ذلك الماء البارد العذب الذي يجده الحاج في كل مكان؛ في الحرمين الشريفين، وفي المشاعر المقدسة، وعلى جوانب الطرقات، وفي برادات المياه المنتشرة بلا انقطاع، وفي دورات المياه، وفي أنظمة الرذاذ التي تخفف حرارة الشمس في عرفات ومنى ومزدلفة، وحتى في أدق التفاصيل التي تحفظ راحة الإنسان وكرامته وسط هذه الحشود المليونية.

إن المملكة لم تعتمد على وفرة طبيعية للمياه، فالجميع يعلم طبيعة البيئة الصحراوية وقلة مصادر المياه العذبة، لكنها صنعت من التحدي إنجازًا عالميًا. فقد أنفقت الدولة مليارات الريالات على مشاريع التحلية العملاقة، ومدّت شبكات هائلة ومحطات ضخ وخزانات استراتيجية، لتصل المياه المحلاة إلى كل حاج بكل سهولة ويسر، وكأنها تنبع من أرضٍ غنية بالأنهار. إنها معجزة هندسية وإدارية متكاملة تعمل بصمت، لكنها تحمل في طياتها سنوات طويلة من التخطيط والعمل والاستثمار.

وفي مواسم الحج، تتضاعف الجهود بصورة استثنائية، إذ تُدار منظومة مائية ضخمة تعمل على مدار الساعة دون توقف، لتلبية احتياجات الملايين في وقتٍ ومكان محددين. ورغم ما قد يحدث أحيانًا من هدر غير مقصود، كترك بعض الصنابير مفتوحة أو الاستخدام المفرط للمياه في أوقات الذروة، إلا أن هذه الخدمة لم تنقطع يومًا عن ضيوف الرحمن، ولم يشعر الحاج في أي لحظة بعجزٍ أو نقص، لأن خلف هذا المشهد رجالًا ومؤسسات يعملون ليل نهار، يراقبون ويشغّلون ويعالجون أي خلل في اللحظة نفسها.

وحين يشرب الحاج من برادة ماء باردة في طريقه إلى الحرم، أو يقف تحت رذاذ الماء الذي يخفف عنه حرارة المشاعر، فإنه قد لا يدرك أن وراء هذه اللحظة البسيطة شبكة عملاقة من المشاريع والجهود والكفاءات الوطنية. وقد لا يعلم أن هذه القطرات التي تلامس وجهه جاءت عبر محطات تحلية تُعد من الأكبر في العالم، وأنها قطعت مسافات طويلة حتى تصل إليه نقية آمنة في قلب أكثر بقاع الأرض ازدحامًا.

لقد نجحت المملكة في أن تجعل من خدمة الحاج نموذجًا عالميًا في الإدارة والرعاية والبنية التحتية، وأثبتت عامًا بعد عام أن خدمة ضيوف الرحمن ليست مجرد مهمة موسمية، بل عقيدة راسخة وواجب تتشرف به القيادة والشعب. وما يُبذل في ملف المياه وحده يكشف حجم العناية الحقيقية التي تُقدَّم للحجاج؛ عناية لا تُقاس بالأرقام فقط، بل تُقاس براحة الملايين الذين يؤدون مناسكهم بطمأنينة وسكينة.

إن ما نراه اليوم في مكة والمشاعر المقدسة ليس أمرًا عابرًا، بل قصة نجاح عظيمة كتبتها المملكة بالإخلاص والعمل والتخطيط طويل المدى. وستبقى هذه الجهود شاهدًا حيًا على المكانة التي توليها المملكة للحرمين الشريفين وقاصديهما، وعلى شرف الخدمة الذي تحمله بكل فخر واعتزاز أمام العالم الإسلامي أجمع.

Exit mobile version