جدة – ماهر عبدالوهاب
أكد طبيب الروماتيزم وهشاشة العظام الدكتور ضياء حسين، أن الأحماض الدهنية “أوميغا 3” تمثل أحد أهم الاكتشافات الغذائية التي دعمتها الأدلة العلمية الحديثة، فقيمتها لا تقتصر على كونها عنصراً غذائياً، بل تمتد لتكون عاملاً مؤثراً في بناء صحة الدماغ والجسم لدى الأطفال والبالغين على حد سواء، خاصة في ظل التحديات الصحية والسلوكية المرتبطة بأنماط الحياة المعاصرة.
وأوضح أن “أوميغا 3” هي مجموعة من الأحماض الدهنية الأساسية التي لا يستطيع الجسم تصنيعها، ومن أبرزها EPA و DHA، وهما عنصران يدخلان بشكل مباشر في تكوين خلايا الدماغ والشبكية العصبية ، لذلك فإن وجودهما بكميات كافية يعتبر ضرورياً لنمو الأطفال الذهني والعصبي، لا سيما في المراحل الدراسية التي تتطلب تركيزاً واستيعابا عاليين.
وأضاف أن ما يعزز هذه الحقائق هو ما توصلت إليه الدراسات العلمية الحديثة ، حيث تشير الأبحاث الحديثة إلى أن أحماض أوميغا-3، وخاصة DHA و EPA، تلعب دوراً مهماً في نمو الدماغ والجهاز العصبي وتنظيم المناعة لدى الأطفال ، وقد أوضحت مراجعات نشرت في مجلات Marine Drugs (2026) وFrontiers in Nutrition (2025) أن انخفاض مستويات أوميغا-3 قد يرتبط بضعف التركيز وتشتت الانتباه وبعض صعوبات التعلم واضطرابات المزاج وجفاف الجلد لدى بعض الأطفال ، كما أظهرت دراسة منشورة عام 2025 في مجلة Scientific Reports الأوروبية أن تناول أوميغا 3 بانتظام يرتبط بتحسن ملحوظ في والتركيز وبعض أعراض تشتت الانتباه وفرط الحركة في الوظائف الإدراكية، مثل سرعة معالجة المعلومات، والذاكرة قصيرة المدى، والانتباه لدى الأطفال والبالغين ، فيما أشارت الدراسة إلى أن “DHA” يلعب دورًا أساسيًا في تعزيز كفاءة الاتصال بين الخلايا العصبية، وهو ما ينعكس على الأداء الذهني بشكل عام ، كما ناقشت مراجعة نشرت في مجلة PLOS ONE عام 2023 تأثير أوميغا-3 على أعراض القلق والاكتئاب لدى الأطفال والمراهقين ، وتحسين الاستقرار المزاجي، خاصة لدى الأطفال الذين يعانون من تشتت الانتباه أو فرط الحركة ، وهذه النتائج تعكس توجها علمياً متزايداً نحو فهم العلاقة بين التغذية والصحة النفسية ، بالإضافة إلى ذلك أوضحت دراسات منشورة في مجلات طبية متخصصة أن أوميغا 3 تمتلك خصائص مضادة للالتهابات، مما يساهم في دعم الجهاز المناعي وتقليل احتمالية الإصابة بالأمراض المزمنة ، حيث نشرت مجلة Autoimmunity Reviews عام 2024 مراجعة شملت 21 دراسة وقد وجدت أدلة قوية تثبت التأثير الإيجابي لأحماض أوميغا-3 الدهنية على لأمراض المناعة الذاتية مثل الذئبة الحمامية الجهازية والروماتويدي والصدفية وأمراض الغدة الدرقية المناعية ، ومرض السكري من النوع الأول ، والتصلب المتعدد ، والتهاب المفاصل الشبابي، واعتلال الكلية IgA ، ومرض كرون ، والتهاب القولون التقرحي ، وقد تحقق ذلك من خلال تقليل خطر الإصابة بالمرض، وخفض نشاطه بتحسن اعراضه وتخفيف المؤشرات الحيوية الالتهابية ، وتقلل من الحاجة إلى الأدوية المضادة للالتهابات وهو ما يعزز الصحة العامة على المدى الطويل ، لذلك اقترحت دراسة VITAL الشهيرة، التي نشرت في The BMJ عام 2022 وشملت أكثر من 25 ألف مشارك، تناول 2000 وحدة دولية من فيتامين د يوميًا، و1000 ملغ من أحماض أوميغا 3 الدهنية البحرية من زيت السمك (وهي الجرعات المستخدمة في الدراسة) يوميًا للنساء من عمر 55 عامًا فما فوق وللرجال من عمر 50 عامًا فما فوق”،
كما أكدت مراجعة علمية تحليلية نشرت في عام 2024، جمعت نتائج عدد كبير من الدراسات (Meta-analysis)، أن أوميغا 3 تساهم في تحسين بعض المؤشرات الحيوية المرتبطة بصحة القلب، مثل تقليل مستويات الدهون الثلاثية، وتحسين مرونة الأوعية الدموية، وهو ما يقلل من مخاطر الإصابة بأمراض القلب مستقبلاً ، حتى لدى الفئات العمرية الصغيرة.
وبين د.ضياء أن هذه النتائج العلمية تتكامل مع التوصيات الغذائية التي تدعو إلى الاعتماد على المصادر الطبيعية لأوميغا 3، مثل الأسماك الدهنية (السلمون، السردين، التونة)، إضافة إلى المصادر النباتية كالجوز وبذور الكتان وبذور الشيا، إلى جانب الأطعمة المدعمة ، فتنويع الغذاء يعتبر الوسيلة الأفضل لضمان تلبية احتياجات الجسم دون الاعتماد المفرط على المكملات.
وفيما يتعلق بتشخيص النقص، أوضح أن الأمر لا يعتمد فقط على الملاحظة، بل يمكن تأكيده من خلال الفحوصات المخبرية التي تقيس مستويات الأحماض الدهنية في الدم، إلى جانب التقييم السريري للحالة.
واختتم د.ضياء تصريحه بالتأكيد على أن الدراسات الحديثة، رغم اختلاف نتائجها في بعض التفاصيل، تتفق في مجملها على أن أوميغا 3 تمثل عنصراً غذائياً مهماً لا يمكن تجاهله، خاصة في مرحلة الطفولة ، داعياً إلى تعزيز الثقافة الغذائية داخل المجتمع، والاهتمام بتغذية الأطفال بشكل متوازن، مع استشارة المختصين قبل استخدام المكملات، فبناء جيل صحي يبدأ من الوعي الغذائي المبكر المدعوم بالعلم والدليل. ومع ذلك، تشير بعض الأبحاث إلى أن الجرعات العالية التي تتجاوز 4 غرامات يوميًا قد ترتبط بزيادة خطر الرجفان الأذيني أو ارتفاع LDL لدى بعض الأشخاص، كما قد يتداخل مع أدوية سيولة الدم، لذلك يُنصح باستعماله باعتدال وتحت إشراف طبي.

