Site icon صحيفة صدى نيوز إس

شفرة المناخ القادم: الانقلاب الاستثنائي من اللانينيا إلى النينيو وتأثيراته العميقة على شبه الجزيرة العربية والعالم

 

بقلم: أحمد علي بكري

يشهد كوكب الأرض اليوم مرحلة من أكثر المراحل المناخية اضطراباً وتعقيداً منذ بدء عمليات الرصد الحديثة، حيث تتسارع التحولات الحرارية داخل المحيطات بصورة غير مسبوقة، وتتغير معها أنماط الرياح والتيارات الجوية ومراكز الضغط العالمية، في مشهد يعكس هشاشة التوازن المناخي الذي استقر عليه الكوكب لعقود طويلة. وفي قلب هذه التحولات تقف ظاهرة “النينيو” بوصفها أحد أخطر وأقوى المحركات الطبيعية للمناخ العالمي، ليس فقط لقدرتها على تغيير حالة الطقس في مناطق محددة، بل لأنها تمتلك القدرة على إعادة توزيع الطاقة الحرارية والرطوبة والضغط الجوي على مستوى الكوكب بأكمله، بدءاً من أعماق المحيط الهادي وحتى صحارى الجزيرة العربية ومرتفعات شرق أفريقيا وسواحل أمريكا الجنوبية.

ولفهم خطورة الوضع الحالي، لا بد أولاً من إدراك أن الغلاف الجوي للأرض لا يعمل بشكل منفصل عن المحيطات، بل إن العلاقة بينهما تشبه شبكة عصبية هائلة مترابطة، حيث تتحكم حرارة المحيطات في حركة الهواء، بينما تؤثر حركة الهواء بدورها على التيارات البحرية ودرجات التبخر والرطوبة. ولذلك فإن أي تغير حراري كبير في المحيط الهادي الاستوائي، الذي يمثل أكبر خزان حراري مائي على سطح الكوكب، ينعكس مباشرة على أنظمة المناخ العالمية كافة. ومن هنا تأتي أهمية ظاهرة التذبذب الجنوبي المرتبطة بالنينيو واللانينيا، والتي تُعرف علمياً باسم ENSO أو “El Niño Southern Oscillation”، وهي منظومة معقدة تتضمن تغيرات متبادلة بين حرارة سطح البحر والضغط الجوي وسلوك الرياح التجارية فوق المحيط الهادي.

وفي الحالة الطبيعية المعروفة بحالة الحياد المناخي، تهب الرياح التجارية الشرقية من سواحل أمريكا الجنوبية باتجاه آسيا وأستراليا، دافعة المياه السطحية الدافئة نحو غرب المحيط الهادي، مما يسمح بصعود المياه الباردة والغنية بالعناصر الغذائية من أعماق المحيط قرب البيرو والإكوادور، وهي العملية التي تُعرف علمياً بظاهرة “الانبثاق البحري” أو Upwelling. وتلعب هذه العملية دوراً بالغ الأهمية في دعم الحياة البحرية والثروة السمكية، إذ إن المياه الباردة الصاعدة تحمل معها كميات ضخمة من المغذيات التي تغذي العوالق البحرية، والتي تمثل بدورها أساس السلسلة الغذائية للمحيطات.

لكن عندما تبدأ الرياح التجارية بالضعف أو التراجع نتيجة اختلالات الضغط الجوي فوق المحيط الهادي، تبدأ المياه الدافئة بالتحرك شرقاً مرة أخرى نحو سواحل الأمريكتين، فتتراكم الحرارة في وسط وشرق الهادي الاستوائي، وترتفع درجات حرارة المياه السطحية فوق المعدلات المعتادة، وهنا تبدأ ظاهرة النينيو بالتشكل. ومع استمرار الاحترار تتغير مواقع التيارات الصاعدة والهابطة في الغلاف الجوي، فتنتقل مناطق العواصف والسحب الرعدية من جنوب شرق آسيا إلى شرق الهادي، بينما تدخل أستراليا واندونيسيا وأجزاء واسعة من آسيا في موجات جفاف وحرائق قاسية.

ومن الناحية الفيزيائية، فإن ارتفاع حرارة المياه السطحية يؤدي إلى زيادة هائلة في معدلات التبخر، ومع ارتفاع كميات بخار الماء في الغلاف الجوي تزداد الطاقة الكامنة المختزنة في السحب الرعدية، لأن بخار الماء يمثل الوقود الأساسي للعواصف المدارية والحمل الحراري العنيف. ولذلك فإن سنوات النينيو القوية ترتبط غالباً بفيضانات كارثية وأعاصير وعواصف شديدة في مناطق عديدة من العالم، في حين تشهد مناطق أخرى جفافاً حاداً وموجات حر قاتلة نتيجة تغير أنماط الضغط الجوي العالمية.

وتُقاس شدة النينيو عادة عبر مؤشر Niño 3.4، وهو نطاق جغرافي محدد وسط المحيط الهادي الاستوائي تُراقب فيه درجات حرارة سطح البحر بصورة دقيقة. فإذا ارتفعت الحرارة بمقدار نصف درجة مئوية أو أكثر فوق المعدلات الطبيعية لفترة طويلة، يُعلن بدء النينيو رسمياً، أما إذا تجاوزت الزيادة درجتين أو ثلاث درجات فإن العالم يدخل في مرحلة “النينيو العنيف”، وهو السيناريو الذي تقترب منه المؤشرات الحالية بصورة مخيفة وغير مسبوقة.

وتشير بيانات الأقمار الصناعية والعوامات البحرية الحديثة إلى أن حرارة المياه في بعض أجزاء المحيط الهادي تجاوزت بالفعل مستويات تاريخية، حيث اقتربت من ثلاثين درجة مئوية في مناطق واسعة، مع وجود انحرافات حرارية ضخمة تتجاوز درجتين ونصف الدرجة فوق المتوسطات المناخية المعتادة. والأخطر من ذلك أن الاحترار الحالي لا يقتصر على الطبقات السطحية، بل يمتد إلى أعماق تتراوح بين مئة ومئتي متر تحت سطح المحيط، حيث تتحرك كتلة حرارية هائلة نحو الأعلى، ما يعني أن الظاهرة مرشحة لمزيد من التصاعد خلال الأشهر المقبلة.

ويعتبر هذا الاحترار العميق من أخطر المؤشرات العلمية، لأنه يدل على وجود مخزون ضخم من الطاقة الحرارية المختبئة داخل المحيط، وهي طاقة قادرة على تغذية الغلاف الجوي لفترات طويلة. وكلما ازدادت كمية الحرارة المختزنة في المحيطات، ازدادت قدرة الغلاف الجوي على إنتاج ظواهر متطرفة مثل الأمطار القياسية والسيول الجارفة والأعاصير المدارية والعواصف الرعدية العملاقة.

وتاريخياً، شهد العالم عدة أحداث نينيو قوية تركت آثاراً مدمرة على الاقتصاد والبنية التحتية والزراعة. ففي نينيو 1982 تعرضت أمريكا الجنوبية لفيضانات كارثية بينما ضرب الجفاف أجزاء واسعة من أفريقيا وأستراليا. أما نينيو 1997-1998، الذي يُعد أحد أعنف أحداث القرن العشرين، فقد تسبب في خسائر بمليارات الدولارات نتيجة الفيضانات والأعاصير وحرائق الغابات والانهيارات الأرضية، كما ارتبط بارتفاع عالمي قياسي في درجات الحرارة. وفي عام 2015 عاد النينيو القوي مجدداً ليدفع العالم نحو موجات حر غير مسبوقة واضطرابات مناخية واسعة.

إلا أن ما يميز النينيو الحالي المتوقع في عام 2026 هو تزامنه مع مستويات قياسية من الاحترار العالمي الناتج عن النشاط البشري، إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن تراكم الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان أدى إلى رفع حرارة المحيطات العالمية بصورة مستمرة خلال العقود الماضية، ما يعني أن النينيو الحالي يتحرك فوق “خلفية حرارية” أكثر سخونة من أي وقت مضى. وهذا الأمر يضاعف من خطورة الظاهرة، لأن المحيطات الأكثر دفئاً تنتج تبخراً أكبر وطاقة أعلى وعواصف أكثر عنفاً.

ومن أكثر الجوانب المثيرة في هذا الحدث المناخي علاقته المباشرة بالمحيط الهندي وشبه الجزيرة العربية، حيث تلعب ظاهرة “ثنائية القطب الهندي الإيجابية” دوراً محورياً في تضخيم التأثيرات المطرية على منطقتنا. ففي هذه الحالة ترتفع حرارة غرب المحيط الهندي قرب السواحل العربية والأفريقية، بينما تبرد مياهه شرقاً قرب اندونيسيا، وهو ما يؤدي إلى دفع كميات ضخمة من الرطوبة نحو بحر العرب والقرن الأفريقي والجزيرة العربية.

وتتفاعل هذه الرطوبة مع التيارات الجوية القادمة من المحيط الهندي لتشكّل ما يشبه “الممرات الرطوبية العملاقة” التي تضخ بخار الماء نحو أجواء المملكة واليمن وعُمان والإمارات. وعندما تتزامن هذه الرطوبة مع عبور منخفضات جوية وأخاديد باردة في طبقات الجو العليا، تتولد حالات عدم استقرار عنيفة تنتج عنها أمطار غزيرة وسحب رعدية كثيفة قد تستمر لأيام متواصلة.

وتاريخياً، ارتبطت العديد من المواسم المطرية القوية في الجزيرة العربية بوجود نينيو نشط أو ثنائية قطب هندية إيجابية، لأن هذا النمط المناخي يضع المنطقة تحت تأثير تيارات صاعدة أكثر رطوبة وأقل استقراراً. كما أن النينيو يغيّر من تموضع التيار النفاث شبه المداري، مما يسمح باندفاع المنخفضات الجوية نحو مناطق أعمق من الجزيرة العربية بدلاً من انحصارها شمالاً.

أما بالنسبة لمنطقة جازان وجنوب غرب المملكة، فإن تأثير النينيو يكون معقداً ومزدوجاً بحسب الفصل المناخي. ففي الصيف قد يؤدي ضعف الرياح الموسمية إلى تراجع الأمطار الموسمية المعتادة على المرتفعات، لكن مع دخول الخريف يبدأ التأثير الإيجابي بالظهور تدريجياً نتيجة تدفق الرطوبة المدارية من بحر العرب والبحر الأحمر، مما يرفع احتمالات الحالات المطرية القوية والسيول المفاجئة.

كما أن بحر العرب نفسه قد يشهد نشاطاً مداريّاً أكبر خلال بعض مراحل النينيو نتيجة ارتفاع حرارة سطح المياه، وهو ما يزيد من احتمالية تشكل أعاصير أو منخفضات مدارية قد تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على سلطنة عمان واليمن وأجزاء من جنوب المملكة. وتكمن خطورة هذه الأنظمة المدارية في قدرتها على حمل كميات هائلة من بخار الماء نحو اليابسة، ما قد ينتج أمطاراً استثنائية خلال فترات زمنية قصيرة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن أي تغير كبير في المناخ العالمي ينعكس مباشرة على الأسواق والإنتاج الغذائي العالمي. فسنوات النينيو القوية تؤثر على إنتاج القمح والأرز والذرة وفول الصويا بسبب الجفاف أو الفيضانات في الدول الزراعية الكبرى، كما تؤثر على أسعار الغذاء العالمية وسلاسل الإمداد البحري والطاقة. وقد شهد العالم في أحداث نينيو سابقة ارتفاعات ملحوظة في أسعار المواد الغذائية نتيجة تضرر المحاصيل الزراعية في آسيا وأمريكا الجنوبية.

أما الثروة السمكية، فهي من أكثر القطاعات تأثراً بهذه الظاهرة، لأن ارتفاع حرارة المياه يؤدي إلى تراجع ظاهرة صعود المياه الباردة الغنية بالمغذيات، ما يتسبب في هجرة الأسماك ونفوق بعض الكائنات البحرية وتراجع الإنتاج السمكي، خصوصاً على سواحل البيرو والإكوادور. وفي المقابل قد تستفيد بعض المناطق الأخرى مؤقتاً نتيجة تغير التيارات البحرية وتوزيع المغذيات.

ولا تقتصر تأثيرات النينيو على الطقس والزراعة فقط، بل تمتد إلى الصحة العامة أيضاً، حيث ترتبط بعض موجات النينيو القوية بانتشار الأمراض المرتبطة بالمياه والحرارة والرطوبة مثل الملاريا وحمى الضنك والكوليرا، خاصة في المناطق المدارية التي تشهد أمطاراً غزيرة وفيضانات واسعة.

ومن الجانب العلمي البحت، فإن النينيو يمثل أحد أكثر الأنظمة المناخية تعقيداً في علوم الغلاف الجوي، لأنه يجمع بين ديناميكيات المحيطات والفيزياء الحرارية وحركة الرياح والتيارات النفاثة والاضطرابات المدارية في نظام واحد مترابط. ولهذا تعتمد مراكز الأرصاد العالمية على نماذج عددية فائقة التعقيد تستخدم الحواسيب العملاقة لمحاكاة حركة المحيطات والغلاف الجوي بدقة عالية من أجل توقع تطور الظاهرة وتأثيراتها المستقبلية.

وتشير أغلب هذه النماذج حالياً إلى أن ذروة النينيو المرتقب قد تحدث خلال خريف وشتاء 2026، مع احتمالية وصول الانحرافات الحرارية إلى مستويات قياسية تتجاوز ثلاث أو أربع درجات مئوية فوق المعدلات الطبيعية، وهو أمر نادر للغاية في السجلات المناخية الحديثة. وإذا تحقق هذا السيناريو، فقد يشهد العالم موسماً استثنائياً من الظواهر الجوية المتطرفة، يتراوح بين الفيضانات والسيول والأعاصير وموجات الحر والجفاف بحسب موقع كل منطقة ضمن المنظومة المناخية العالمية.

وفي شبه الجزيرة العربية تحديداً، قد يعني ذلك زيادة كبيرة في فرص الأمطار الخريفية والشتوية على أجزاء واسعة من المملكة والخليج واليمن وعُمان، خصوصاً إذا تزامن النينيو مع نشاط إيجابي للمحيط الهندي والبحر الأحمر. إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أمطاراً “هادئة”، بل قد تكون على هيئة حالات جوية عنيفة ومركزة تؤدي إلى سيول جارفة وفيضانات حضرية نتيجة الطبيعة الصحراوية للمنطقة وضعف قدرة التربة الجافة على امتصاص المياه بسرعة.

ومع استمرار الاحترار العالمي، يحذر العلماء من أن أحداث النينيو المستقبلية قد تصبح أكثر تكراراً وأشد تطرفاً، لأن المحيطات أصبحت تخزن كميات هائلة من الحرارة لم تكن موجودة سابقاً، وهو ما يغير القواعد المناخية التقليدية التي اعتاد عليها البشر لعقود طويلة. ولذلك فإن العالم يدخل اليوم مرحلة جديدة من “المناخ المتطرف”، حيث تصبح الظواهر الجوية أكثر عنفاً وأقل قابلية للتنبؤ الكامل.

وفي النهاية، فإن النينيو ليس مجرد اسم متداول في نشرات الطقس، بل هو نبض حراري هائل يتحكم في توازن الأرض المناخي بأكمله. وما يحدث الآن في أعماق المحيط الهادي قد يحدد شكل المواسم الزراعية والسيول والأعاصير ودرجات الحرارة على بعد آلاف الكيلومترات في الجزيرة العربية وأفريقيا وآسيا. وبينما تراقب الأقمار الصناعية والمراكز المناخية هذا الوحش الحراري المتصاعد، يبقى العالم مترقباً لما قد يحمله خريف وشتاء 2026 من أحداث مناخية قد تدخل التاريخ كواحدة من أكثر الفترات الجوية تطرفاً في العصر الحديث.

Exit mobile version