Site icon صحيفة صدى نيوز إس

القرامطة: الدولة التي أرعبت الخلافة العباسية وسيطرت على شرق الجزيرة العربية لأكثر من قرنين

 

بقلم: أحمد علي بكري

حين يتحدث المؤرخون عن أخطر الحركات السياسية والعسكرية التي ظهرت في التاريخ الإسلامي، فإن اسم القرامطة يبرز بوصفه واحداً من أكثر الأسماء إثارةً للرعب والجدل والغموض. فلم يكن القرامطة مجرد جماعة متمردة عابرة أو فرقة دينية محدودة التأثير، بل تحولوا خلال فترة قصيرة إلى قوة إقليمية ضخمة استطاعت أن تؤسس دولة فعلية مكتملة الأركان، امتدت سيطرتها على أجزاء واسعة من شرق الجزيرة العربية والخليج، وهددت الخلافة العباسية نفسها، وسيطرت على طرق التجارة والحج، وأقامت نظاماً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مستقلاً استمر لما يقارب قرنين من الزمن.

بدأت جذور الحركة القرمطية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتحديداً حوالي سنة 264هـ / 878م، عندما ظهرت الدعوة الإسماعيلية السرية في الكوفة بالعراق بقيادة حمدان بن الأشعث المعروف بلقب “قرمط”، والذي اشتُق منه اسم القرامطة. كان حمدان قرمط ينشط في بيئة تعاني من الانهيار الاقتصادي والتفكك السياسي وضعف السلطة العباسية، حيث كانت الخلافة في بغداد تمر بمرحلة من الاضطرابات العنيفة والصراعات الداخلية وهيمنة القادة العسكريين الأتراك على القرار السياسي، إضافة إلى كثرة الثورات في الأطراف البعيدة عن مركز الدولة.

استغل حمدان قرمط هذا الضعف لينشر دعوته بين الفلاحين والفقراء والقبائل الساخطة على الحكم العباسي، وكانت دعوته تحمل طابعاً دينياً وسياسياً واجتماعياً في آنٍ واحد، إذ مزجت بين التأويل الباطني للدين والدعوة إلى المساواة الاقتصادية وتقليل الفوارق الطبقية، مما منحها قبولاً واسعاً لدى الطبقات المهمشة.

لكن التحول الحقيقي من مجرد دعوة سرية إلى دولة قوية حدث سنة 286هـ / 899م تقريباً، عندما تمكن أبو سعيد الحسن الجنابي، وهو أحد أبرز دعاة القرامطة، من السيطرة على إقليم البحرين التاريخي، والذي كان يشمل آنذاك الأحساء والقطيف وأجزاء واسعة من شرق الجزيرة العربية وصولاً إلى سواحل الخليج الحالية. ومن هناك بدأت ولادة دولة القرامطة الفعلية.

اتخذ القرامطة من الأحساء عاصمة سياسية وعسكرية لهم، وحولوها إلى مركز نفوذ ضخم في المنطقة. وقد نجح أبو سعيد الجنابي في بناء نظام حكم مستقل تماماً عن العباسيين، فأنشأ جهازاً إدارياً وفرض الضرائب ونظم التجارة والزراعة وأقام جيشاً عقائدياً شديد الانضباط. وبعد مقتله سنة 301هـ / 913م تولى أبناؤه الحكم، وعلى رأسهم أبو طاهر الجنابي الذي يعد أشهر حكام القرامطة وأكثرهم دموية وتأثيراً.

في عهد أبي طاهر الجنابي بلغت الدولة القرمطية ذروة قوتها العسكرية والسياسية بين عامي 311هـ و332هـ / 923م – 944م، حيث شن القرامطة سلسلة من الهجمات الكبرى على أراضي الخلافة العباسية، واستطاعوا نهب البصرة والكوفة وقطع طرق الحج والتجارة، بل وهددوا بغداد نفسها عدة مرات. وكانت جيوش العباسيين تعاني بشدة أمامهم بسبب سرعة تحركاتهم واعتمادهم على فرسان القبائل الصحراوية الذين امتلكوا خبرة هائلة في القتال داخل بيئة الجزيرة العربية.

ومن أخطر الأحداث في تاريخ القرامطة ما وقع سنة 317هـ / 930م عندما قاد أبو طاهر الجنابي هجوماً مباشراً على مكة المكرمة خلال موسم الحج. دخلت قوات القرامطة المسجد الحرام وارتكبت مجزرة مروعة بحق الحجاج، حيث قُتل الآلاف داخل الحرم وحول الكعبة، وتم اقتلاع الحجر الأسود من مكانه ونقله إلى الأحساء، وبقي هناك نحو اثنين وعشرين عاماً حتى أُعيد سنة 339هـ / 951م بعد ضغوط سياسية ودينية هائلة ودفع أموال طائلة بحسب بعض الروايات التاريخية.

هذا الحدث شكّل صدمة كبرى للعالم الإسلامي، وأدى إلى انهيار هيبة الخلافة العباسية بشكل غير مسبوق، كما جعل اسم القرامطة يرتبط في الوعي الإسلامي بالعنف والتطرف والخروج على المقدسات.

أما من ناحية العلاقات الدولية والتحالفات السياسية، فقد دخل القرامطة في شبكة معقدة من الصراعات والتحالفات مع القوى الكبرى في عصرهم. ففي البداية كانت لهم صلات عقائدية مع الدولة الفاطمية الناشئة في شمال إفريقيا، إذ إن الطرفين خرجا من رحم الدعوة الإسماعيلية، لكن العلاقة بينهما سرعان ما تحولت إلى تنافس وصراع على الزعامة الدينية والسياسية للعالم الإسماعيلي. فالفاطميون اعتبروا أنفسهم أصحاب الشرعية الحقيقية، بينما رفض القرامطة الاعتراف الكامل بسلطة الخلفاء الفاطميين.

ودخل القرامطة في صراعات طويلة مع الخلافة العباسية التي كانت العدو الأكبر لهم، حيث خاض الطرفان عشرات المعارك والحملات العسكرية بين القرنين الثالث والرابع الهجريين. كما اصطدموا بالدولة الإخشيدية في مصر والشام، ودخلوا في مواجهات مع البويهيين لاحقاً عندما سيطروا على بغداد، إضافة إلى صدامات مع السلاجقة في المراحل الأخيرة من ضعفهم.

وفي بعض الفترات عقد القرامطة تفاهمات وتحالفات مؤقتة مع قوى إقليمية مختلفة وفقاً للمصالح السياسية والاقتصادية، خاصة مع بعض الإمارات المحلية في الخليج وعُمان، كما أقاموا علاقات تجارية مع تجار فارس والهند بسبب سيطرتهم على طرق الملاحة والتجارة البحرية في الخليج العربي.

أما من الناحية القبلية، فقد اعتمدت قوة القرامطة العسكرية والاقتصادية بشكل كبير على القبائل العربية في شرق الجزيرة العربية والبادية العراقية. وكانت قبائل عبد القيس وبكر بن وائل وتميم من أبرز القبائل التي خضعت لنفوذهم أو دخلت في تحالفات معهم في مراحل مختلفة، إضافة إلى قبائل بني عقيل وبعض بطون ربيعة التي شكلت العمود الفقري لقواتهم القتالية.

كما استفاد القرامطة من ولاء عدد من القبائل البحرية والتجارية في سواحل الخليج، وهو ما ساعدهم على السيطرة على التجارة البحرية والموانئ. وكانت الأحساء والقطيف من أغنى المناطق الزراعية والتجارية في الجزيرة العربية آنذاك، الأمر الذي وفر لهم مورداً اقتصادياً هائلاً مكّنهم من تمويل الجيوش وشراء الولاءات القبلية.

ولم تكن علاقة القرامطة بالقبائل قائمة فقط على القوة العسكرية، بل اعتمدوا أيضاً على توزيع الغنائم والأموال وإلغاء بعض الضرائب التي فرضها العباسيون، مما جعل بعض القبائل ترى فيهم قوة تحرر من سلطة بغداد المركزية. لكن هذه العلاقة لم تكن مستقرة دائماً، إذ شهدت فترات من التمرد والانشقاقات القبلية، خاصة عندما بدأت قوة الدولة القرمطية بالتراجع.

ومن الناحية الاقتصادية، أنشأ القرامطة نظاماً يعتمد على السيطرة على طرق التجارة البرية والبحرية، خاصة طرق الحج القادمة من العراق وفارس، كما فرضوا الإتاوات على القوافل التجارية والسفن العابرة للخليج. وكانت لهم سيطرة كبيرة على تجارة اللؤلؤ والزراعة في واحات الأحساء الخصبة، إضافة إلى الاستفادة من موقعهم الاستراتيجي بين العراق والهند وفارس.

لكن مع مرور الزمن بدأت عوامل الضعف تتسلل إلى الدولة القرمطية. فقد أدت الانقسامات الداخلية والصراعات على السلطة إلى إضعاف تماسكهم، كما أن تراجع الغارات العسكرية قلل من مواردهم المالية. وفي الوقت نفسه بدأت قوى جديدة بالصعود في المنطقة، مثل البويهيين ثم السلاجقة، الذين تمكنوا تدريجياً من تقليص نفوذ القرامطة.

وبحلول القرن الخامس الهجري كانت دولتهم قد دخلت مرحلة الانهيار التدريجي، حتى سقطت فعلياً سنة 470هـ / 1077م تقريباً عندما تمكنت قوات العيونيين بقيادة عبد الله بن علي العيوني، بدعم من السلاجقة، من إسقاط حكم القرامطة في الأحساء والقطيف وإنهاء دولتهم بشكل نهائي بعد ما يقارب مئة وثمانين عاماً من السيطرة.

ورغم سقوطهم العسكري والسياسي، بقي أثر القرامطة حاضراً بقوة في التاريخ الإسلامي بوصفهم واحدة من أخطر الحركات التي تحدت الخلافة العباسية، ونجحت في تأسيس دولة حقيقية ذات جيش وإدارة واقتصاد وتحالفات ونفوذ إقليمي واسع. لقد امتلكوا كل مقومات الدولة التقليدية في عصرهم تقريباً، من عاصمة وجيش ونظام جباية وحدود ونفوذ سياسي، لكن مشروعهم ارتبط بالعنف والصدام الدموي مع العالم الإسلامي، مما جعل صورتهم التاريخية تبقى مرتبطة بالخوف والاضطراب أكثر من ارتباطها ببناء حضارة مستقرة أو مشروع سياسي طويل الأمد.

Exit mobile version