Site icon صحيفة صدى نيوز إس

بعدُ المُحبِّين

عبدالله شراحيلي

العارضة / صدى نيوز إس

ليس أصعب على القلب من بُعدِ المحبِّين، فالمسافات لا تُقاس بالأميال والكيلومترات، بل تُقاس بمقدار الفراغ الذي يتركونه في أرواحنا حين يغيبون. فهناك أشخاص إذا ابتعدوا خفت ضجيج الحياة من حولنا، وكأن شيئًا من دفء الأيام قد رحل معهم.

وبعدُ المحبين ليس غياب أجساد فحسب، بل هو غياب تفاصيل اعتدناها؛ كلمةٌ كانت تُبهج صباحاتنا، ورسالةٌ كانت تُضيء مساءاتنا، وصوتٌ كان يطمئن قلوبنا كلما أثقلتها هموم الحياة. وحين يغيب هؤلاء، تبقى الذكريات شاهدةً على جمال ما كان، وتتحول الأماكن إلى دفاتر حنين تروي حكايات اللقاءات القديمة.

ومع ذلك، فإن للمحبين أثرًا لا يمحوه البعد، فالمحبة الصادقة لا تسكن الأماكن بل تسكن القلوب. قد تفرقنا الأيام، وقد تبعدنا الظروف، لكن الأرواح التي تعانقت بالمودة تبقى متصلة بخيوط الشوق والدعاء والوفاء.

ولعل أجمل ما في الحب الصادق أنه لا ينتهي بالغياب، بل يزداد نقاءً وصفاءً. فالمحب الحقيقي لا ينسى، ولا يتنكر للود، ولا يسمح للزمن أن يمحو جميل الذكريات. يبقى وفيًّا لمن أحب، يحمل لهم الدعاء في قلبه، ويخصهم بأجمل الأمنيات في غيابهم كما كان يخصهم بالمحبة في حضورهم.

إن بعد المحبين يعلّمنا قيمة من نحب، ويكشف لنا مكانتهم الحقيقية في نفوسنا. فكم من شخص لم ندرك عظيم أثره إلا بعد أن غاب، وكم من قلب عرف معنى الشوق حين فقد قرب من أحب.

ويبقى الأمل دائمًا أن تجمع الأقدار بين القلوب التي صدقت في محبتها، وأن تعود الأيام بما تحمله من لقاءات جميلة، فالمحبة الحقيقية لا تهزمها المسافات، ولا تطفئ نورها السنون، لأنها كُتبت في القلوب قبل أن تُكتب في صفحات العمر.

فسلامٌ على المحبين وإن باعدت بينهم الأيام، وسلامٌ على القلوب التي تحفظ الود مهما طال الغياب، وسلامٌ على الذكريات الجميلة التي تجعل للمحبة عمرًا لا ينتهي.

 

 

يا بُعدَ مَن سكنوا الفؤادَ مودَّةً

ماذا تركتم في الحشا من لوعـةِ؟

رحلوا وبقيتُ أعدُّ خطاهُمُ

وأضمُّ أشواقَ المساءِ لوحدتـي

ما غابَ حبُّ الصادقينَ وإن نأوا

فالروحُ تعرفُ دربَهم بمحبَّةِ

يبقى الوفاءُ لهم وإن طالَ النوى

ويظلُّ ذكرُهُمُ ربيعَ مودَّتي.

Exit mobile version