صحيفة صدى نيوز اس
يوسف بن سالم / الرياض
الأربعاء 17 يونيو 2026م – 22 ذو الحجة 1447هـ
لم يعد علم النفس في المملكة العربية السعودية مجرد تخصص أكاديمي مستورد من الغرب. اليوم، ونحن في 2026، نقف أمام تحول واضح: علم النفس السعودي ينتقل “من القاعة إلى المنصة”، ويبدأ بصياغة هويته الخاصة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
بدايات من رحم الحاجة
انطلقت البدايات الرسمية لتدريس علم النفس في الجامعات السعودية مع إنشاء أول قسم مستقل بجامعة الملك سعود عام 1968م. كانت تلك المرحلة مرحلة نقل وترجمة، حيث استوردنا المناهج والنظريات كما هي. لكن مع توسع الجامعات ودخول الإرشاد الطلابي للمدارس في التسعينات، بدأنا ندرك أن الإنسان السعودي له خصوصيته النفسية والاجتماعية.
التأصيل… سر التميز
ما يميز علم النفس السعودي اليوم هو “التأصيل الإسلامي”. لم نعد ننظر للقرآن والسنة كمرجعية أخلاقية فقط، بل كأساس علاجي. فكرة أن “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” صارت مدخلاً علمياً للعلاج المعرفي السلوكي. ظهرت مؤلفات رائدة مثل “الطب النفسي الإسلامي” للدكتور طارق الحبيب، وأبحاث تربط بين الصلاة وخفض القلق، وبين الصبر وتقبل الصدمات.
القضايا البحثية أيضاً صارت سعودية بامتياز: ضغوط الاختبارات، إدمان الأجهزة الذكية، العلاقات الأسرية في ظل التحولات السريعة، وبرامج الوقاية من المخدرات. لم نعد نسأل “ما يقوله فرويد؟” بقدر ما نسأل “ماذا يحتاجه طالبنا اليوم؟”.
أرقام تبشر بالخير
الأرقام لا تكذب. وفق التقرير السنوي لوزارة الصحة 2024، ارتفعت نسبة السعوديين المستعدين لزيارة أخصائي نفسي من 19% عام 2019 إلى 37% عام 2024. وتجاوز عدد الأخصائيين النفسيين المرخصين 12,800 بنهاية 2025، 62% منهم سعوديات. حتى في المدارس، أصبح 85% منها يضم مرشداً طلابياً مؤهلاً.
هذه الأرقام ثمرة رؤية 2030 التي جعلت من “المجتمع الحيوي” هدفاً استراتيجياً. فكان تأسيس المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية 2020، وإطلاق خط الدعم 937، وإدخال مادة المهارات الحياتية في المدارس خطوات عملية، لا شعارات.
تحديات على الطريق
لكن الطريق لم يكتمل. لا تزال “الوصمة المجتمعية” العائق الأكبر. كثيرون يرون زيارة الأخصائي النفسي ضعفاً، بينما هي شجاعة تماماً كزيارة طبيب القلب. كما نعاني من فجوة في البحوث المحلية الدقيقة، ومن نقص في التخصصات النادرة مثل علم النفس العصبي وعلم نفس الطفل.
القادم أجمل بإذن الله
الحل ليس مستحيلاً. نحتاج هيئة سعودية لعلم النفس تنظم المهنة كما فعلت الهيئة الطبية. نحتاج ابتعاثاً للتخصصات الدقيقة. ونحتاج قبل كل شيء كتابة للعامة: كتب، بودكاست، مقاطع قصيرة تكسر حاجز الخوف وتقول للناس: صحتك النفسية مثل جسدك، تستحق الرعاية.
كما قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. فليكن علم النفس السعودي سلاحنا لفهم أنفسنا، وأدبنا زينتنا في التعامل معها، وطموحنا وقودنا للوصول لمجتمع متزن منتج.
فخور بعلمائنا وبأبنائنا… والوطن يستحق الأفضل.

