Site icon صحيفة صدى نيوز إس

ماذا يحدث في مجالس الضيافة حين نغفل عن خصوصية الآخرين؟

 

✍️محمد فريح الحارثي

حساسية حوارات المجالس حين نغفل عنها!

في ثقافتنا، المجلس ليس مجرد عنوان لكرم الضيافة وتقديم القهوة، بل هو مرآة وعينا ومقياس رقيّنا. لطالما تربينا على مقولة “المجالس مدارس”، ومدرسة المجلس تقوم في الأصل على الحشمة، والتقدير، والكلمة الموزونة. لكن لو تأملنا بعض مجالسنا اليوم، لوجدنا أننا أحياناً -ودون أن نشعر- نقع في “سقطات” عفوية، أو نفتح أبواباً لحوارات حرجة تمس مشاعر وخصوصية بعض الحاضرين وتترك ألم في النفوس.

كم مرة جلسنا في مجلس، وانطلق فيه حديث عابر، أو نكتة عفوية في ظاهرها، أو قصة قديمة، تمسّ قبيلة معينة، أو شعباً شقيقاً، أو جنسية ما، وشعرنا بالاحتكاك والتوتر يسري في الغرفة؟ تنظر يمنة ويسرة، لتلمح عيناً انكسرت، أو وجهاً تغيّر لونه، أو ضيفاً غريباً ابتلع غصّته وحاول الابتسام مجاملةً.

الفخ غير المرئي: “العالم في غرفتك”

لقد تغيرت التركيبة الاجتماعية لمجالسنا اليوم، ولم نعد نجلس في محيط مغلق يتطابق فيه الجميع في الأفكار أو الأصول.

الضيف الذي يفهمك: كم من شخصية أجنبية أو ضيف من جنسية أخرى يجلس صامتاً في زاوية المجلس، ونظن نحن أنه معزول عن لغتنا، في حين أنه يلتقط كل كلمة، ويفهم نبرة التهكم، ويشعر بالإحراج وهو ضيف في مكان يُفترض أنه آمن.

عدسات الهواتف: تلك اللقطة السريعة التي يصورها أحدهم لنشرها في وسائل التواصل، قد تلتقط حديثاً جانبياً جارحاً دون انتباه، لتتحول في اليوم التالي من جلسة ودية إلى قضية عامة تؤذي أشخاصاً وعائلات.

“راعي المحل”.. النباهة قبل القهوة

وهنا يأتي الدور الأهم، دور صاحب الدعوة أو المناسبة. كرم الضيافة لا ينتهي عند جودة الاستقبال وبشاشة الوجه؛ الكرم الحقيقي هو “أمان الكلمة” في بيتك.

على صاحب المجلس أن يكون فِطناً لما يدور، وصياداً لـ “لحن القول”. إذا انحرف الحديث نحو السخرية من شعب، أو الخوض في خصوصيات قبيلة، أو همز ولمز جنسية ما، لا يجب أن يقف موقف المتفرج حرصاً على مجاملة المتحدث. التدخل الذكي بابتسامة، وتغيير مجرى الحديث بأدب، أو كلمة حازمة مثل: “والنعم في الجميع، وخلونا في موضوعنا الأهم..”، كفيلة بإنقاذ الموقف وإعادة الاتزان للمجلس.

احترام الخصوصية.. نضج وأصالة

إن احترام الآخرين، بعدم الخوض في خصوصياتهم، وأصولهم، وجنسياتهم، ليس بروتوكولاً حديثاً أو تكلّفاً مستورداً، بل هو أصل من أصول المروءة التي تأسست عليها هذه المجالس.

النكتة التي قد تضحكنا، قد تبكي غيرنا. والقصة التي نراها “تسلية”، قد يراها طرف آخر طعناً في كرامته.

ختاماً.

ليكن لكل منا رقيب داخلي قبل أن يرمي بكلمة في مجلس. الكلمة إذا خرجت ملكتك، والمجلس الذي ندخله بتقدير، يجب أن نخرج منه وقد تركنا فيه أثراً طيباً، أو على الأقل.. صمتاً محترماً. فلنجعل مجالسنا مساحات تجمع ولا تفرق، وترحب بالجميع دون استثناء.

Exit mobile version