بقلم الدكتور/
خالد بن عمر بن محمد العمودى :جدة:-
يمر القطاع العام في وطننا الغالي بمرحلة تاريخية واستثنائية من إعادة الهيكلة والتحول الإداري. وهي مرحلة لا تستهدف فقط تطوير الأنظمة والإجراءات، بل تسعى بالدرجة الأولى —وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030— إلى إعادة بناء “الإنسان” باعتباره الثروة الحقيقية ومحرك التنمية الأساسي.
إن هذا التحول يمثل نقطة تحول محورية نحو بناء “حكومة فاعلة” تتسم بالمرونة، وتتطلب وعياً وظيفياً متجدداً يواكب الرؤية الطموحة للدولة —أعزها الله— في النهوض بالبلاد والعباد نحو مصاف الدول المتقدمة.
1. حفظ الحقوق والنهوض بالموظف: غاية ركائز الدولة
إن أولى الحقائق التي يجب أن يدركها ابن الوطن في هذه المرحلة هي أن فلسفة التحول الإداري التي تنتهجها الدولة لا تقوم على الإقصاء أو زعزعة الاستقرار الاجتماعي، بل تنطلق من قاعدة متينة أساسها حفظ الحقوق المكتسبة للموظف والارتقاء ببيئته المهنية.
وضعت الدولة —حفظها الله— الأطر التنظيمية والتشريعات التي تضمن انتقالاً عادلاً وشفافاً للموظفين، وحرصت على أن تصاحب هذا التحول برامج مكثفة للتأهيل والتطوير؛ إيماناً بمحور “وطن طموح.. حكومته فاعلة ومواطنه مسؤول”.
والغاية الأسمى من ذلك هي خلق بيئة عمل عادلة تُقدّر الجهد، وتكافئ المتميز، وتفتح أبواب التدرج الوظيفي والقيادي بناءً على الجدارة والإنتاجية الفردية، تماشياً مع مستهدفات الرؤية في تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي ورفع جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.
2. وداعاً لـ “البطالة المقنعة”: عهد إثبات الذات والاستحقاق
في الماضي، تسللت إلى بعض مفاصل العمل الحكومي ثقافة “الأمان الساكن” أو ما يُعرف اصطلاحاً بـ “البطالة المقنعة”، حيث كان يُنظر للوظيفة العامة أحياناً بوصفها ريعاً مستقراً يرتبط بمجرد الحضور والغياب دون التفات حقيقي لحجم الأثر والإنتاجية.
اليوم، يأتي التحول الوظيفي ليعلن الانعتاق التام من هذا المفهوم الضيق، مستبدلاً إياه بمبدأ “إثبات الذات عبر الكفاءة”. إن تبني القطاع العام لمعايير تقييم مستوحاة من مرونة وتنافسية القطاع الخاص —مثل مؤشرات الأداء الحوكمية وضوابط الإنتاجية— ليس مهدداً للأمان الوظيفي، بل هو تطبيق عملي لركائز الرؤية في تعزيز النزاهة، والشفافية، والمساءلة.
الأمان الحقيقي للموظف اليوم: يكمن في مهاراته المتجددة، وقيمته المضافة التي تجعل من وجوده عنصراً لا غنى عنه في نمو منظومته وتطورها.
3. كيف يصنع الموظف استمراريته وثباته الإيجابي؟
لكي يترجم أبناء الوطن هذا التحول إلى نجاحات شخصية تسهم في رفعة بلادهم، لا بد من تبني توجهات إيجابية واضحة تضمن لهم الثبات والتميز في البيئة الجديدة:
— التحول من “عقلية المعاملة” إلى “عقلية الأثر”: لم يعد الموظف الحكومي مجرد ناقل للأوراق، بل هو شريك في تحقيق مستهدفات وطنية كبرى. يجب أن يسأل الموظف نفسه يومياً: كيف يسهم عملي اليوم في دفع عجلة الاقتصاد المزدهر وتسهيل رحلة المستفيد؟
— الاستثمار الشخصي في التعلم المستمر: إن الرؤية تهدف إلى بناء مواطن منافس عالمياً. ومبادرة الموظف لتطوير أدواته الذاتية —سواء في التحول الرقمي، أو تحليل البيانات، أو مهارات القيادة المرنة— هي خط الدفاع الأول عن مستقبله المهني.
— المرونة والتكيف مع التغيير المستمر: إن عمليات الدمج، التخصيص، وتحديث الهياكل التنظيمية هي أدوات الرؤية للوصول إلى جهاز إداري رشيق وسريع الاستجابة. الموظف الإيجابي يرى في هذه التغيرات فرصاً سانحة لإبراز قدراته.
4. البقاء للأفضل: تمكين للمجتهد ورفعة للوطن
إن قاعدة “البقاء للأفضل” التي تتبلور ملامحها في القطاع العام حالياً لا تعني التهميش، بل تعني بكل وضوح “تمكين المجتهد وصناعة قادة المستقبل”. إنها رسالة شكر عملية من الدولة لكل موظف يخلص في عمله، ويستشعر الأمانة، ويجعل من مكتبه ثغراً من ثغور البناء والنماء.
حين يدرك الموظف السعودي أن جهوده مرصودة، وأن تميزه مقدّر، وأن عطاءه ينعكس مباشرة على مؤشرات تقدم وطنه في المحافل الدولية، يتحول العمل من مجرد واجب وظيفي للحصول على راتب شهري، إلى رسالة وطنية سامية وعطاء مستدام يبتغي به وجه الله ثم رفعة هذا الوطن العظيم؛ لنبرهن للعالم أجمع أن السواعد الوطنية هي الرهان الرابح دائماً وأبحاً في مسيرة الرؤية المباركة.

