Site icon صحيفة صدى نيوز إس

محكمة الضمير: صراع القاضي والمحامي والشهود

الإعلامي: عادل بن محمد البكري – جازان – صحيفة صدى نيوز إس

في داخل كل إنسان محكمة لا تُشبه أي محكمة أخرى؛ لا أبواب لها تُغلق، ولا قاعات تُضاء، ولا حضور فيها إلا لصاحبها.

 إنها محكمة الضمير، التي تنعقد بصمتٍ تام كلما خلا الإنسان إلى نفسه، بعيدًا عن ضجيج العالم وانشغال الحياة.

في تلك الجلسة الخفية، يتقدّم العقل ليجلس على منصة القضاء، باحثًا عن الحقيقة كما هي، لا كما تُراد.

 لا ينحاز للعاطفة، ولا يتأثر بالمواقف العابرة، بل يزن الأمور بميزان التأمل والوعي.

 وعلى الجانب الآخر يقف القلب، محاميًا لا يتوقف عن المرافعة، يستدعي الرحمة، ويستحضر حسن النوايا، ويبحث عن تفسيرات تخفف من وقع الأخطاء وتمنح الإنسان فرصة لفهم ذاته قبل إدانتها.

أما الشاهد الأهم، فهو الضمير.

 لا يتحدث كثيرًا، لكنه يقول ما يكفي ليقلب الموازين.

 لا يعرف التزييف، ولا يتأثر بالمبررات، لأنه ببساطة يسجل ما حدث كما حدث، لا كما يُراد له أن يُروى.

 كل موقف مرّ به الإنسان محفوظ في ذاكرته: كلمة قيلت، موقف أُهمل، فرصة أُضاعت، أو لحظة كان يمكن أن تُغير الكثير لكنها لم تُغتنم.

وتتوالى الشهادات في صمت؛ ليست أشخاصًا يدخلون القاعة، بل آثار أفعال تبقى في الذاكرة.

 هنا وعد لم يُنفذ، وهناك إحسان تأخر، وهناك كلمة خرجت دون وعي فتركت أثرًا لا يُمحى بسهولة.

 كل ذلك يُعرض بلا مبالغة ولا نقصان، كما لو أن الزمن نفسه يعيد ترتيب تفاصيله أمام الإنسان.

وفي خضم هذا الصراع، يدافع القلب عن صاحبه، مذكرًا بأن الإنسان بطبيعته يخطئ ويصيب، وأن الظروف ليست دائمًا رحيمة، وأن النوايا أحيانًا تكون أصدق من النتائج.

 لكن الضمير يظل ثابتًا، يهمس بحقيقة لا يمكن تجاوزها: أن الإدراك وحده لا يكفي، ما لم يتبعه تصحيح ومراجعة.

وحين يقترب المشهد من نهايته، يدرك الإنسان أن هذه المحكمة لا تبحث عن الإدانة بقدر ما تبحث عن الاستقامة الداخلية.

 فهي لا تسأل فقط: ماذا فعلت؟ بل تسأل أيضًا: ماذا أصبحت بعد ما فعلت؟

وفي نهاية المطاف، قد تمضي الأيام وتُنسى كثير من التفاصيل، لكن محكمة الضمير تبقى يقِظة لا تغفو.

 هناك، لا يبقى إلا أثر الحقيقة كما هي، يواجه الإنسان نفسه بما فعل، ويغادر الجلسة محمّلًا بما اختار أن يحمله: طمأنينة تُنير داخله أو سؤالًا يرافقه بصمت لا ينتهي.

Exit mobile version