بقلم: أحمد علي بكري
بينما كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من لحظاتها الأخيرة، كانت القيادة النازية تبحث بكل ما تبقى لديها من وسائل عن فرصة أخيرة لقلب موازين الصراع وإنقاذ الرايخ الثالث من الانهيار المحتوم. ومع تهاوي الجبهات الأوروبية وتقدم قوات الحلفاء من الشرق والغرب، لم تعد المعارك البرية وحدها هي التي تحدد مصير الحرب، بل انتقلت المواجهة إلى أعماق البحار حيث تدور عمليات سرية لا تقل خطورة عن المعارك المفتوحة. ومن بين أكثر تلك العمليات غموضاً وإثارة تبرز قصة الغواصة الألمانية النازية “U-864″، وهي واحدة من أكثر المهام العسكرية سرية في تاريخ الحرب، حتى إن كثيراً من تفاصيلها بقي طي الكتمان لعقود طويلة، لتتحول فيما بعد إلى واحدة من أكثر القصص إثارة في التاريخ العسكري الحديث، حيث امتزجت التكنولوجيا المتقدمة بالطموحات النووية والمطاردات البحرية والمأساة الإنسانية والكوارث البيئية في قصة واحدة بدأت في أعماق الحرب ولم تنته حتى يومنا هذا. ففي الثامن من فبراير عام 1945، وبينما كانت ألمانيا تعيش أيامها الأخيرة، غادرت الغواصة “U-864” الموانئ النرويجية ضمن عملية عسكرية بالغة السرية عُرفت باسم “عملية قيصر”. ولم تكن تلك الرحلة مجرد مهمة لنقل إمدادات عسكرية، بل كانت بمثابة محاولة أخيرة لنقل ما تبقى من أسرار الصناعة العسكرية الألمانية إلى حليفتها الإمبراطورية اليابانية التي كانت بدورها تواجه ضغطاً أمريكياً هائلاً في المحيط الهادئ. وقد حملت الغواصة شحنة اعتبرت آنذاك من أثمن ما تملكه ألمانيا النازية، شملت مخططات المقاتلة النفاثة “ميسرشميت Me 262” التي سبقت عصرها بسنوات، وتقنيات متقدمة لصواريخ “V-2” الباليستية التي كانت أول صاروخ بعيد المدى في التاريخ، إضافة إلى معدات إلكترونية ومهندسين وخبراء عسكريين، فضلاً عن مئات القوارير المعدنية التي احتوت على آلاف الكيلوغرامات من الزئبق المخصص للصناعات العسكرية، وهو ما دفع كثيراً من الباحثين لاحقاً إلى الاعتقاد بأن جزءاً من تلك الشحنة ربما كان مرتبطاً بمحاولات تطوير برنامج نووي ألماني أو دعم مشاريع تسليحية يابانية متقدمة، رغم أن هذه الفرضية لا تزال محل جدل تاريخي ولم تثبت بشكل قاطع. كان يقود الغواصة القائد الشاب رالف فولفرام الذي لم يكن قد أمضى سوى دورية قتالية واحدة قبل هذه المهمة المصيرية، ومع ذلك وجد نفسه مسؤولاً عن واحدة من أخطر الرحلات البحرية في الحرب العالمية الثانية. لكن القدر لم يمنحه فرصة للوصول إلى وجهته، فبعد وقت قصير من الإبحار تعرضت الغواصة لعطل خطير في ضاغط الهواء أدى إلى انفجار داخلي ألحق أضراراً بمحركات الديزل، الأمر الذي أجبرها على تغيير خط سيرها والعودة نحو ميناء بيرغن النرويجي لإجراء الإصلاحات. وكان هذا القرار يعني المرور في منطقة تخضع لمراقبة مكثفة من غواصات وسفن وطائرات الحلفاء، وهي مخاطرة أدرك فولفرام خطورتها جيداً، إلا أنه لم يكن يملك خياراً آخر. وفي الجهة المقابلة كانت الغواصة البريطانية “HMS Venturer” بقيادة الملازم جيمس ستيوارت لوندرز تقوم بدورية اعتيادية في مياه البحر الشمالي. ولم يكن أفراد الطاقم يعلمون أنهم على وشك دخول كتب التاريخ العسكري، عندما لمح نائب القائد أندرو تشارمرز رأس منظار مراقبة يخرج للحظات فوق سطح الماء، فأدرك أن غواصة ألمانية تتحرك في المنطقة. لم يكن ذلك مجرد رصد لهدف معادٍ، بل بداية لمطاردة ستغير مفاهيم حرب الغواصات إلى الأبد. أدرك القائد البريطاني منذ اللحظة الأولى أن خصمه يتحرك بحذر شديد، وأن الاشتباك لن يكون تقليدياً، إذ كانت كلتا الغواصتين غاطستين بالكامل تحت سطح البحر، وهو سيناريو لم يسبق أن خاضته أي قوة بحرية في العالم. كانت أجهزة السونار في ذلك الزمن بدائية مقارنة بالتقنيات الحديثة، كما أن حسابات إطلاق الطوربيدات ضد هدف متحرك في ثلاثة أبعاد كانت معقدة إلى درجة جعلت كثيراً من الخبراء يعتبرون إصابة غواصة مغمورة بالكامل أمراً شبه مستحيل. ومع ذلك لم يتردد لوندرز، بل بدأ بدراسة كل حركة يقوم بها خصمه. وعلى الجانب الألماني التقطت أجهزة الهيدروفون أصوات مراوح الغواصة البريطانية، فأدرك فولفرام أنه أصبح مطارداً، وبدأ بتنفيذ سلسلة مناورات مراوغة تعتمد على تغيير الاتجاه والعمق والسرعة كل بضع دقائق لتضليل أي محاولة للتنبؤ بمساره. إلا أن القائد البريطاني لم يعتمد على الحظ، بل جلس يرسم على الورق خطوط حركة الغواصة الألمانية مستخدماً ساعة يده وقلمه لحساب الزمن والزوايا والسرعات، حتى تمكن تدريجياً من استنتاج النمط الذي تتبعه الغواصة النازية في مناوراتها. وبعد ساعات من الحسابات الدقيقة اتخذ قراره التاريخي بإطلاق أربعة طوربيدات متتالية، كل واحد منها يسلك مساراً مختلفاً ويفصل بين إطلاقه والآخر بضع ثوان فقط، بحيث يغطي أكبر مساحة ممكنة من الاحتمالات المستقبلية لمسار الغواصة الألمانية. انطلق الطوربيد الأول لكنه أخطأ الهدف وارتطم بصخور قريبة، ثم مر الثاني والثالث دون إصابة مباشرة بعدما واصل فولفرام المناورة والغوص الحاد، لكن الطوربيد الرابع كان مختلفاً؛ فقد وصل إلى النقطة التي توقعها لوندرز بدقة مذهلة، ليصيب منتصف هيكل “U-864” إصابة مباشرة أحدثت انفجاراً عنيفاً شطر الغواصة إلى عدة أجزاء، واندفعت المياه إلى داخلها بسرعة هائلة، لتغرق خلال ثوان معدودة حاملة معها سبعين بحاراً وضابطاً إلى قاع البحر دون أن ينجو أي منهم. وبهذا الهجوم أصبحت “HMS Venturer” أول غواصة في التاريخ تغرق غواصة أخرى بينما كان الطرفان مغمورين بالكامل تحت سطح البحر، وهو إنجاز عسكري لا يزال يدرّس حتى اليوم في الأكاديميات البحرية باعتباره مثالاً استثنائياً على التفكير التكتيكي والقدرة على الحساب تحت ضغط المعركة. غير أن نهاية الغواصة لم تكن نهاية قصتها، بل كانت بداية فصل جديد أكثر تعقيداً. فقد بقي الحطام مستقراً في قاع البحر لعقود طويلة دون أن يعرف أحد موقعه بدقة، حتى تمكنت فرق البحث النرويجية في مطلع القرن الحادي والعشرين من اكتشافه على عمق يزيد على 150 متراً بالقرب من جزيرة فيديه النرويجية. وهناك ظهرت مفاجأة جديدة؛ إذ تبين أن آلاف الكيلوغرامات من الزئبق التي كانت تحملها الغواصة لا تزال داخل الحطام، لكن الحاويات بدأت تتآكل بفعل مياه البحر، الأمر الذي أدى إلى تسرب الزئبق تدريجياً إلى البيئة البحرية المحيطة، مهدداً الثروة السمكية والنظام البيئي في المنطقة. وأصبحت الغواصة التي كانت يوماً أداة حرب واحدة من أخطر مصادر التلوث البحري في أوروبا، حيث حذر العلماء من أن انتشال الحطام قد يؤدي إلى إطلاق كميات أكبر من المواد السامة، في حين أن تركه دون معالجة يعني استمرار التسرب لعقود قادمة. وبعد سنوات طويلة من الدراسات الهندسية والبيئية اتخذت الحكومة النرويجية قراراً يقضي بعدم رفع الحطام، بل بعزله نهائياً عبر تغطيته بطبقات ضخمة من الرمال والصخور لتشكيل ما يشبه الساركوفاغ العملاق الذي يحبس الملوثات داخل قاع البحر ويحد من انتشارها، مع إخضاع الموقع لرقابة بيئية مستمرة لضمان عدم تسرب المواد السامة مستقبلاً. وهكذا تحولت “U-864” من رمز لطموحات الرايخ الثالث العسكرية إلى شاهد صامت على أن آثار الحروب لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل قد تستمر لعقود طويلة في الهواء والماء والتربة وذاكرة الشعوب. وتبقى قصة هذه الغواصة مثالاً نادراً على التقاء التاريخ العسكري بالعلم والهندسة والسياسة والبيئة في حادثة واحدة، فقد بدأت بمحاولة يائسة لنقل أسرار قد تغير مسار الحرب، وانتهت بحطام يرقد في أعماق البحر حاملاً معه أسراراً لم يكشف عنها بالكامل حتى اليوم. وبينما لا يزال المؤرخون يناقشون طبيعة الشحنة التي كانت على متنها، وما إذا كانت بالفعل تمثل آخر محاولة نازية لدعم مشروع نووي أو مجرد عملية لنقل تقنيات عسكرية متقدمة إلى اليابان، فإن الحقيقة الوحيدة المؤكدة هي أن البحر احتفظ بسره لأكثر من سبعين عاماً، وأن أعماقه ما زالت تخفي قصصاً ربما لم تُروَ بعد، لتظل “U-864” واحدة من أكثر الغواصات غموضاً وإثارة في التاريخ الحديث، ودليلاً على أن بعض أسرار الحروب لا تُدفن مع أصحابها، بل تبقى كامنة في الأعماق، تنتظر من يعثر عليها بعد عقود طويلة.

