جدة – ماهر عبدالوهاب
أشار الأستاذ سيد حسني عمارة الرئيس التنفيذي لمبادرة إدراك وطن مصر للتنمية المستدامة
أنه في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة وصراعات متنامية على الوعي والثقافة والذاكرة التاريخية، لم تعد معركة الأمم تقتصر على الحدود الجغرافية أو القدرات الاقتصادية والعسكرية فحسب، بل أصبحت تمتد إلى فضاء أكثر عمقًا وتأثيرًا، يتمثل في معركة السرديات والهوية الوطنية.
فالسردية الوطنية ليست مجرد رواية للتاريخ أو استدعاء لأمجاد الماضي وإنما هي الإطار الفكري والمعرفي الذي يفسر للأجيال القادمة قصة وطنها، ويمنحها القدرة على فهم حاضرها واستشراف مستقبلها.
وأضاف قائلا بأنها الوعاء الذي تتشكل داخله قيم الإنتماء والمواطنة والمسؤولية الوطنية، وهي الحصن الذي يحمي المجتمعات من محاولات التشويه والتفكيك وإعادة تشكيل الوعي وفق أجندات خارجية.
لقد أدركت الدول الكبرى مبكرًا أهمية بناء سردياتها الوطنية، فاستثمرت في التعليم والثقافة والإعلام ومراكز البحث العلمي من أجل ترسيخ روايتها الخاصة عن تاريخها ومكانتها ودورها الحضاري. وفي المقابل، عانت العديد من الشعوب من سرديات مفروضة عليها، يستهدف صياغتها أخرون فأثرت سلبًا على ثقتها بذاتها وعلى قدرتها في بناء مشروعها الوطني المستقل.
منوها” بأنه من هنا تبرز أهمية إعادة الإعتبار للسردية الوطنية المصرية باعتبارها امتدادًا لحضارة إنسانية فريدة تجاوز عمرها آلاف السنين، وأسهمت في تشكيل التاريخ الإنساني. فمصر لم تكن يومًا مجرد رقعة جغرافية، بل كانت ولا تزال دولة ذات رسالة حضارية وثقافية وإنسانية ممتدة، إستطاعت عبر العصور أن تحافظ على هويتها رغم ما واجهته من تحديات وتحولات.
وأستطرد في حديثه قائلا إن الهوية القومية ليست مفهومًا انعزاليًا أو أداة للانغلاق على الذات، بل هي أساس الانفتاح الواعي على العالم. فالأمم الواثقة من هويتها هي الأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع الثقافات الأخرى دون أن تفقد خصوصيتها أو تذوب في غيرها. لذلك فإن تعزيز الهوية الوطنية لا يتعارض مع قيم الحداثة والتقدم، بل يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق تنمية مستدامة قائمة على الثقة بالنفس والإعتزاز بالإنتماء.
وأردف عمارة / في هذا السياق، تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في بناء وعي وطني مستنير، قادر على التمييز بين الحقائق والدعاية، وبين المعرفة الموضوعية ومحاولات التزييف. كما تبرز أهمية تمكين الشباب من فهم تاريخهم وإدراك دورهم في صناعة المستقبل، باعتبارهم الحراس الحقيقيين للهوية الوطنية في مواجهة التحديات الراهنة.
إن بناء الجمهورية الجديدة لا يقتصر على تشييد المدن الحديثة وتطوير البنية التحتية وتحقيق النمو الاقتصادي، بل تطلب أيضًا بناء الإنسان المصري الواعي بجذوره الحضارية، المؤمن بقيمة وطنه، والقادر على المشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية والتقدم.
وفي النهاية، تبقى السردية الوطنية والهوية القومية من أهم مقومات الأمن القومي الشامل، فالأوطان لا تُبنى بالقوة المادية وحدها، وإنما تُبنى كذلك بقوة الفكرة، ووضوح الرؤية، وعمق الانتماء. وعندما تمتلك الأمة سرديتها الخاصة وتثق في هويتها، تصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبلها بإرادتها الحرة وثقتها الراسخة بذاتها.
وأختتم عمارة حفظ الله مصر وكافة الدول العربية وأنار طريق ريادتها نحو مستقبل مشرق بإذن الله

